النظرة الإسلامية في معالجة السلوك الخاطئ
القسم الأول
الأسلوب الأمثل في معالجة السلوك الخاطئ
قال الله تبارك وتعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}(الهمزة:1)
وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}(الحجرات:12)
. صدق الله العلي العظيم.
أثر تتبع عورات الآخرين.
من الأمراض الأخلاقية الكبيرة التي يصاب بها بعض الناس تتبع عيوب الآخرين؛ باشتغاله بتتبع بعض النقائص لدى شخصيات من يرتبط وإياهم بعمل بل سائر الناس الذين لا يرتبط وإياهم، ولكنّ شخصيته بُنيت على هذا الداء، فلا تستريح نفسه إلاّ إذا تتبع عورات ومعايب الآخرين، وقد جاءت طائفة من الروايات تبين أنّ الإنسان ينبغي أن يجتنب هذا الداء، وأن يلتفت إلى أنّ الناس من طبيعتهم الوقوع في الخطأ، ‹‹كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون››، فمن طبيعة الإنسان أن يقترف بعض الأخطاء بيد أنّ الطريقة الفضلى أن يتلافى ما وقع فيه من نقائص وما اقترفه من أخطاء، غير أنّ بعض الناس لا يمارس دوره الطبيعي، فبدلاً من أن يُعين المخطئ باجتناب الخطأ يحاول أن يُظهر ذلك الخطأ ويفشي ذلك العيب الذي وقع فيه، وهذا يؤثر سلباً على المقترف للخطأ من جهة، وله تأثيرات على المتتبع للخطأ من جهة أخرى نوجزها في الآتي:
الأول: الاعتياد على إشهار عيوب الآخرين.
إنّ من يُذيع عيوب الناس ويسعى إلى نشرها في المجتمع تصبح بإشهارها أمراً طبيعياً واعتيادياً، فلا يتأثر مقترف ذلك الخطأ من ارتكابه مرة تلو الأخرى مادام أنه فشا واشتهر بين الناس، مما يزيده تمادياً في مواصلة سلوكه الخاطئ .
الثاني: صعوبة التخلص من العيوب.
إنّ تتبع عثرات الناس إذا أصبح جزءاً من شخصية الإنسان لا يفسح المجال للرجوع إلى الاستقامة ويصعب عليه ترك ذلك الداء.
أسلوب معالجة تتبع العثرات.
إسلامنا الحنيف عالج هذا العيب والمرض الذي يصاب به بعض الناس من خلال الخطوات الآتية:
الأولى: التوجه إلى عيوب النفس.
إنّ التفات الإنسان إلى عيوب نفسه واشتغاله بها يحجزه عن الاشتغال بعيوب الآخرين، والإنسان بطبيعته يعيش النقص، والكمال لله تعالى، وهو الذي يريد من الإنسان أن يتكامل بشكل تدريجي، فإذا التفت الإنسان إلى عيوب نفسه وبدأ بإصلاحها فإنه سائر في الصراط المستقيم، ولكنه إذا وجّه قواه إلى عيوب الآخرين استشرت تلك العيوب والنقائص في ذاته، وتجذرت في شخصيته وأصبحت أشجاراً كبيرة يصعب عليه اقتلاعها، لذا، عالجت الروايات هذا الداء بأبلغ علاج، فلفتت انتباه من وقع فيه ومن أصيب به إلى ما ينبغي عليه فعله، قال نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله: ‹‹كفى بالمرء عيباً أن ينظر من الناس إلى ما يعمى عنه من نفسه ويُعير الناس بما لا يستطيع تركه، ويؤذي جليسه بما لا يعنيه››، النبي صلى الله عليه وآله يبين عيوباً ثلاثة، يهمنا ذكر العيبين الأُولَيين وهما، النظر إلى بعض العيوب الموجودة في بعض الناس، وتناسي أنّ تلك العيوب التي ينظر إليها قد اتصف بها، قال صلى الله عليه وآله: ‹‹أن ينظر من الناس إلى ما يعمى عنه من نفسه››، ثم يقول صلى الله عليه وآله: ‹‹ويُعَيّر الناس بما لا يستطيع تركه››، فمن يتحدث عن عيوب الآخرين لا ينظر إلى عيوب نفسه التي يعددها في الآخرين، فهو لا يرضى بعيوب الغير مع كونه متصفاً بها، والنبي صلى الله عليه وآله يذكر خصلة أخرى هي إيذاء الجليس، فمن تجالس من الناس له حق وهو أن تحترم مجالسه فلا تذكره بعيوب أو بنقائص وإنْ كانت تلك النقائص في شخصه، فعليك أن تستر عيوبه، وتلتفت إلى عيوبك، قال صلى الله عليه وآله: ‹‹من مقت نفسه دون مقت الناس آمنه الله من فزع يوم القيامة››، فالنبي صلى الله عليه وآله يُركز على السلامة في عالم الآخرة، لأنها هي الفوز الأكبر، {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}(آل عمران:185)، الفوز الأعظم للإنسان هو أن يأمن من مقت الله تعالى في عالم الآخرة، والنبي صلى الله عليه وآله يعلمنا بهديه كيف نسطيع أن نأمن من عذابه ونحصل على أمنه، وذلك من خلال مقت النفس، واعتبارها ناقصة، والمحاولة الجادةً في تلافي ما لديه من عيوب كي يأمنه الله تعالى في عالم الآخرة وفي عرصات القيامة.
الثانية: النظر إلى محاسن الآخرين.
الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام أبانت أنّ أعظم الداء هو أن يلتفت الإنسان إلى عيوب الآخرين، ويقتصر عليها ولا ينظر إلى محاسنهم والصفات الجميلة التي لديهم، لأنّ تشجيع الجانب الإيجابي في شخصيات الآخرين هو الذي يعود عليهم بالخير ويؤدي بهم إلى السؤدد، والنظرة السلبية هي التي تجعلهم يقفون عند تلكم السلبيات الموجودة لديهم.
الثالثة: حركة الإصلاح من النفس إلى الغير.
إنّ إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام أكد على ما ينبغي للإنسان أن يلتفت إليه، إذ أنّ بعض الناس يخطأ الهدف ويضل الطريق، قصده الإصلاح، لكنه لا يلتفت إلى ما ينبغي عليه أن يبدأ به، ويوضح عليه السلام ذلك قائلاً: ‹‹إنْ سمت همتك إلى إصلاح الناس فابدأ بنفسك فإنّ تعاطيك إصلاح غيرك وأنت فاسد أكبر العيب››، فالتركيز على عيوب الآخرين بقصد الإصلاح وإظهار النقص لديهم عيب، بل من أكبر العيوب، مع أنّ النية سليمة، لكن الإمام عليه السلام لا يُعير النية في هنا أي اهتمام، ويركز على التأثير السلبي للإنسان الذي يتتبع عورات الآخرين ونقائص سائر الناس، فقوله: ‹‹إنْ سَمَت همتك››، أي، ارتفعت بقصدك الإصلاح للغير لكنك ضللت الطريق وأخطأت الهدف، وكان ينبغي أن تبدأ بنفسك، فإنّ تعاطيك إصلاح غيرك وأنت فاسد ولديك عيوب -كان ينبغي أن تهتم بإصلاحها- أكبر العيب، مع أنّ النية هنا سليمة، لكنّ الإمام عليه السلام يمزج بين العمل والنية، النية لابد أن تكون صالحة، والعمل لابد أن يكون صالحاً، ولا يكفي أن تكون نية الإنسان صالحة وعمله يؤدي إلى إيذاء الناس وتركيز العيوب في شخصيتهم، قال عليه السلام: ‹‹جهل الإنسان بعيوبه من أعظم ذنوبه››.
الرابعة: التركيز على تزكية النفس.
من أعظم الذنوب التي يقترفها الإنسان في حق شخصه أن يجهل عيوبه، لأنّ الإنسان أُمِر بتزكية نفسه، ولا يتاح له تزكية نفسه مع جهله بعيوبه، وعدم التفاته إلى النقائص في شخصيته، التي ترديه إلى الهلكة، فلا يتعلم من عيوب نفسه، ولا يبحث عن العيوب المؤثرة في شخصيته، فتسافل شخصيته من أعظم الذنوب، والكمال كل الكمال في الاشتغال بإصلاح عيوبه، يقول إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس››، وعنه عليه السلام: ‹‹أفضل الناس من شغلته معايبه عن عيوب الناس››، فالإنسان الأفضل والأحسن والأكمل هو الذي يشتغل بعيوبه، فيحاول جاداً في إصلاحها، لذا، أبان القرآن هذه المسألة، {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}(الأعلى:14)، فالتزكية معناها الاشتغال بعيوب النفس وإصلاح تلكم العيوب ومعالجة الأمراض التي يصاب بها، فبعض الناس يرتاح إذا اغتاب الآخرين وذمهم وأبدى معايبهم في حين أنه ينسى عيوبه، ويستهزئ بشخصيات الآخرين، لكن لا يقبل منهم الاستهزاء بشخصه، فالنقد اللاذع إلى الغير يُنسيه كونه مصاباً بتلك العيوب، وهذا ما ركّز عليه إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في الفضل الذي يحصل عليه الإنسان المشتغل بإصلاح عيوبه: ‹‹أفضل الناس -الذين هم في درجة الكمال ولهم النجاة من الله تعالى – من شغلته معايبه عن عيوب الناس››، وعلى عكس ذلك من تشغله عيوب الناس عن عيوب نفسه فهو الأسوأ، لكن الذي يشتغل بعيوبه ويغضي عن عيوب الآخرين هو الأفضل كما يقول إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام.
الخامسة: التحذير من مكر الله.
الروايات أبانت أنّ بعض الناس يمكر الله تعالى بهم، لاقترافهم بعض الذنوب، فيترصد لهم بالعقاب الإلهي، فهذه الفئة من الناس ناسية لمعايبها، متغاضية عن ذنوبها، ملتفتة إلى عيوب الآخرين، وبعض الروايات تبين أن من اشتغل بعيوب الآخرين فهو من الذين مكر الله بهم، فأنساهم أنفسهم، قال إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹إذا رأيتم العبد متفقداً لذنوب الناس ناسياً لذنوبه فاعلموا أنه قد مُكر به››، فالله يمكر بمن يقترف بعض الذنوب ويرتب آثاراً وضعية على تلكم الذنوب، فيجعل من آثارها إلهاء الإنسان عن نفسه بتوجهه إلى عيوب الآخرين.
السادسة: خطر استصغار عيوب النفس.
قال المصطفى صلى الله عليه وآله: ‹‹اترك من الناس ما تعلم من نفسك››، فحذارِ أن تعيب بعيب لدى الناس مع كونه موجوداً في شخصيتك وحذارِ أن تبدأ بذكر ذلك العيب وأنت تعلم باتصافك به، وأوضح ص أنّ بعض الناس يصعب عليه أن ينتقد ذاته، ويلتفت إلى عيبه الكبير، ولكنه يرى الصغائر الدقيقة في شخصيات الآخرين فيكون كالمجهر المكبر لتلك الصغائر في شخصيات الآخرين، ويبذل قصارى جهده في استقصاء العيوب الصغيرة تاركاً ما توافر لديه من معايب كبيرة، قال صلى الله عليه وآله: ‹‹يُبصر أحدُكم القَذَى في عَين أخيه، وينسى الجِذْع في عينه››، القذى، هي الدهون المجتمعة في طرف العين فيراها ويركز عليها ما دامت في وجه غيره، لكن الجذع الذي في عينه لا يشعر به، وهذه كناية وتشبيه، والنبي ص يلفت انتباهنا إلى أنّ بعض الناس لا يلتفت إلى العيب الكبير، لكنه يلتفت إلى الصغير من عيوب الآخرين.
نتائج الالتفات إلى عيوب النفس.
يترتب على من التفت إلى عيوبه، وترك عيوب الآخرين امتلاك العقل الكامل؛ كما ورد في بعض الروايات، قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹أعقل الناس من كان بعيبه بصير، وعن عيب غيره ضرير››، فالعاقل هو الذي يلتفت إلى عيوب نفسه ويدقق النظر ويمعن الفكر في تلك العيوب وإنْ كانت صغيرة في ذاته، ويحاول الخلاص منها، والستر والإغضاء عن العيوب الكبيرة عند غيره، ملتفتاً إلى أنّ اشتغاله بعيوب الآخرين نسيان لنفسه.
القسم الثاني
السلوك الخاطئ بين الوقاية والآثار الوضعية
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}(الحجرات:12). صدق الله العلي العظيم.
أُسس الوقاية من تتبع عيوب الآخرين.
استعرضنا وإياكم أنّ الشريعة المقدسة نهت نهياً قاطعاً عن تتبع عيوب الآخرين، وجعلت الكمال في الاشتغال بعيوب الذات، فالإنسان الكامل هو من يجتهد في تتبع عيوبه ويشتغل بها عن عيوب الآخرين، فقد نظّرت الشريعة المقدسة لهذا الأمر بشيء من البيان الجميل الذي إذا التفت إليه المؤمن أدرك مراد الشارع المقدس في حفظه لنفسه وسلامة ذاته عن الوقوع في هذا الخطأ، لذا، نجد أنّ الشريعة لم تنهَ عن تتبع عورات الآخرين فحسب، بل نهت عن حفظ العيب لئلا يقع الإنسان في شرك الشيطان فيسول له ذكر ذلك العيب الذي حفظه. وقد استعرض المشرع هذا السلوك الخاطئ وأرشد إلى مجموعة من الأسس التي تقي الإنسان من الوقوع فيه:
الأولى: عدم البحث في عيوب الآخرين.
نهت الشريعة المقدسة الإنسان عن البهجة والفرح في سلوكه مع من لا يُحبه من الناس إذا رآه قد سقط في عثرة، فترتاح نفسه بمجرد أن يشاهده يسقط في بعض العثرات، قال الإمام الصادق عليه السلام: ‹‹أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يُؤاخي الرجل وهو يحفظ عليه زلاته ليُعيره بها يوماً ما››، فالإنسان البعيد عن الله هو الذي يصاحب بعض الناس من أجل الإطلاع على العيوب الخفية في شخصياتهم ويحفظ تلكم العيوب ليتحرى الفرصة المناسبة لإظهار عيوبهم أمام مرأى ومسمع من الناس، والإنسان الذي يحفظ زلات من يصاحبه لأجل انتقاصه في يوم ٍما، بعيد تمام البعد عن الله عز وجل.
الثانية: التحفظ عن إظهار الإطلاع على عيوب الناس.
إنّّّ من يطمح أن تكون علاقاته مع الناس أفضل لابد أن يكون ساتراً على ما اطلع عليه من عيوبهم، غاضاً طرفه عنها، محافظاً على شخصياتهم لئلا تُخدش، وهذا ما أبانه إمامنا الصادق عليه السلام عندما سُئل عن تفسير قوله: ‹‹عورة المؤمن على المؤمن حرام››، حيث أجاب عليه السلام: ‹‹ليس حيث تذهب؛ إنما عورة المؤمن أن يراه يتكلم بكلام يعاب عليه، فيحفظه عليه ليُعيره به يوماً ما››، فالمؤمن له حرمة، وعورته هو أن تستر ما اطلعت عليه من عيب وتغض عن زلته، وتحفظ عليه تلك السقطة؛ فلا تجعلها بمرأى من الناس، فقد يغضب الإنسان ولا يُسيطر على نفسه فيكون ذلك سبباً في أن يُظهر ما حفظه وستره من عيوب الآخرين، لذا، نجد الإمام عليه السلام يبلور ذلك المفهوم بقوله: ‹‹عورة المؤمن على المؤمن حرام››، كي يسير عليه الإنسان ليقي نفسه من الوقوع في تتبع عورات الآخرين.
الثالثة: الصحة النفسية في ترك عيوب الآخرين.
يقول إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في كلمة من روائعه الحكمية: ‹‹حسب المرء من سلامته قلة حفظه لعيوب غيره››، فهو عليه السلام يشير إلى سلامة الإنسان النفسية، إذ أنّ من المعلوم أنّ الصحة الجسدية تعتمد على الصحة النفسية للإنسان؛ وكثير من الأمراض التي يُصاب بها الناس ناتجة عن الاضطراب السلوكي والنفسي في شخصياتهم، الإمام عليه السلام عندما يقول: ‹‹حسب المرء من سلامته – أي من سلامة نفسه – قلة حفظه لعيوب غيره››، يؤكد على أنّ الإنسان قد يصبح في موقفٍ يجب عليه أن يحفظ عيوب الآخرين إلا أنّ ذلك لا يعطيه الصلاحية أن يجعل تلك العيوب مورد نظره، فالقلة هنا في قوله عليه السلام تشير إلى المنع عن تركيز النظر في عيوب الآخرين؛ مما يجعلها متجسدةً أمام شخصيته، بل عليه أن لا يُعيرها أية أهمية لكي يسلم من تأثيراتها السلبية، فعندما يحفظ الإنسان بعض تلك الزلات وترتكز في ذهنه بعض تلك السقطات لابد أن يكون هو الحكيم المحافظ على سلامة شخصيته وطهارة نفسه وذلك عندما لا يُركز على تلك العيوب وإنما يمر عليها مرور الكرام غير عابئ بها.
الرابعة: عدم إظهار الفرح تجاه عيوب الغير.
الابتهاج تجاه عيب يصدر من الغير هي حالة غير سوية، تُنبأ عن خطر فادح وقع فيه الإنسان، قال الإمام علي عليه السلام: ‹‹لا تَفرَحَنَّ بسقطةِ غَيرِك››، أي، لا تبتهج نفسك بتلك الزلة والعثرة التي وقع فيها بعض من لا ترتاح إليه نفسك، فتهش وتبش لذلك، بل عليك أن تبتعد عن الفرح والابتهاج لما في ذلك من الآثار السلبية كترسيخ تلك الزلة في الذهن وحفظها عليه لتُذكره بها يوماً ما، فتحسب أنّ ذلك خير لك بينما هو شرٌ عليك، فلا بد للإنسان أن يغض النظر عن ذلك، ‹‹لا تَفرَحنَّ بسقطة غيرك فإنك لا تدري ما يحدث بك الزمان››، فالإنسان لا يملك أن يحفظ نفسه من عوادي الدهر ومتغيرات الأيام والأزمنة، وهو عاجز عن حفظ نفسه من الوقوع في الزلات، بل طبيعة الإنسان هو التعثر والسقوط، وهو ما أشرنا إليه في حديثنا السابق، ‹‹كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون››.
الخامسة: الحذر من الوقوع فيما وقع فيه الغير.
قال إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام في التحذير من الوقوع في خطأ الآخرين، ‹‹لا تبتهجنَّ بخطأ غيرك فإنك لن تملك الإصابة أبداً››، بعض الناس يظن أنه ملك السيطرة على نفسه فلا يصدر منه ما هو سيء، لكنه لن يستطيع ذلك، وهذا ما سنوضحه لاحقاً في أنّ من غرته نفسه وسَوَل له الشيطان فتتبع عورات الغير وابتهج بحدوث بعض السقطات سرعان ما يجر لنفسه عقوبة الحق تبارك وتعالى، فيسقط فيما سقط به غيره من الزلات، ويقترف تلك العثرة التي تتبعها على الغير، والإمام عليه السلام هنا يقول: ‹‹لن تملك الإصابة››، وهو تعبير جميل، لأنّ الإنسان لا يسيطر على نفسه، وحتى لو سيطر على نفسه في سنوات محدودة، فإنّ قواه ستضعف وتؤثر فيه الأزمنة والدهور وقد يصاب ببعض الأمراض فيغضب في يومٍ ما ويرتكب محذوراً بغضبه، وهنا يتذكر أنه عاب على غيره ما وقع هو فيه.
الآثار الوضعية المترتبة على تتبع عورات الناس.
أكد الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على أنّ من أُصيب بهذا الداء يُبتلى ببعض الآثار الوضعية المترتبة على ذلك:
الأول: انتقال عدوى تتبع العورات.
لابد للمؤمن أن يبتعد عن أولائك الذين أصيبوا بهذا الداء، إلاّ إذا أراد أن يصحح سلوكهم؛ فقد أُمرنا في الروايات أن لا نصاحب من يتتبع عورات الآخرين، لأنه قد تصيبنا العدوى من هذا الداء، فيسهل علينا ذكر الغير بعيوبه ونتأثر من ذلك السلوك الخاطئ، يقول إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹ليكن أبغض الناس إليك وأبعدهم منك أطلبهم لمعايب الناس››، فإذا أردت أن تصاحب أحداً من الناس فعليك أن تختبره في سلوكياته وفي نظرته للآخرين؛ فهل هو ينظر إلى الآخر نظرة كمال واحترام أم أنه ينظر إليه نظرة انتقاص ؟ فإذا كان ينظر نظرة انتقاص فعليك الابتعاد منه؛ كي لا يُنزل مستواك الإيماني وتتأثر بشكل طبيعي أو غير طبيعي بسلوكه الخاطئ.
الثاني: ابتعاد الناس وتجنبهم مصاحبته.
إنّ من يتتبع عورات الآخرين سوف يطرد الناس عن مصاحبته، فالإنسان لا يحب مصاحبة من فيه رائحة نتنة، وسوف يبتعد عنه بشكل طبعي، أما من يعتني بهندامه ونظافته، فستجد أنك ترتاح إليه وتقترب منه، فمن يتتبع عورات الآخرين أنتن رائحة من ذلك، قال إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹من تتبع خفيات العيوب حرمه الله مودات القلوب››، فالإنسان لا يحب مثل هؤلاء الأشخاص ولا يقترب منهم، لأنّ رائحتهم المعنوية – التي هي أعظم من الروائح المادية – نتنة.
الثالث: محاربة الله له.
إنّ الله تبارك وتعالى يحارب من يتتبع عثرات الآخرين، ومن تصدى الله له بالمحاربة هزمه، لأنّ الله غالب على أمره، ولا يستطيع أحد أن يحارب الحق تعالى، الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، فمن الآثار الوضعية لمن يتتبع عورات الآخرين التي أشارت لها الروايات أنّ الله تعالى يتصدى إليه بالمحاربة فيُسقطه ويفضحه، يقول النبي صلى الله عليه وآله: ‹‹من كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته››، وقوله: ‹‹في بيته››، تعبير جميل يُشير إلى أنّ أقرب الناس إليه يفتضح أمره عنده. ففي العادة أنّ الإنسان يحب أن يظهر بالمظهر الحسن والجميل عند المقربين إليه، لكنّ الله تعالى لمحاربة هذا الإنسان يُظهر سوأته أمام أقرب المقربين إليه، قال إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام: ‹‹من بحث عن أسرار غيره أظهر الله أسراره››، فتلك العيوب أسرار يحاول الإنسان أن يستر على نفسه بها، فإذا تُتُبعت تلك السقطات والزلات التي يحاول الإنسان أن يسترها عن أعين الآخرين فإنّ المولى تبارك وتعالى يُظهر المخفي والمستور من عيوب ذلك المتتبع، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وآله في قوله: ‹‹لا تتبعوا عورات المؤمنين، فإنّ من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته››، فلن يستطيع أن يستر على نفسه الزلات والسقطات والمعايب التي يحاول جاهداً أن يخفيها عن المقربين إليه.