في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقية
نشر من قبل الحكمة في 08:40 صباحا - 08 03 1435 هـ (09 01 2014 م)

النظريّة الأولى : رأيٌ يقول: إنّ تهذيب النفس، نوع من الجهاد ومحاربة أعداء الداخل، الّذين يتحرّكون لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة، وشراك الخطيئة.هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل، من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم،


تفاصيل الخبر

في كيفيّة التعامل مع المسائل الأخلاقية

 

النظريّة الأولى

رأيٌ يقول: إنّ تهذيب النفس، نوع من الجهاد ومحاربة أعداء الداخل، الّذين يتحرّكون لإيقاع الإنسان في مستنقع الرّذيلة، وشراك الخطيئة.

 

هذا الرأي مقتبسٌ في الأصل، من حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، المعروف، عندما خاطب الرسول صلى الله عليه واله وسلم، قوماً من المجاهدين، رجعوا لتوّهم من الغزو فقال: "مَرحَباً بِقَوم قَضَوا الجِهادَ الأَصغَرَ وَبَقيَ عَلَيهِم الجِهادُ الأَكبَرُ، فَقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ، ما الجِهادُ الأكبرُ، قالَ: جِهادُ النَّفسِ"1.

 

وجاء في البحار في ذيل هذا الحديث: ثُمّ قَالَ صلى الله عليه واله وسلم: "أَفضَلُ الجِهادِ مَنْ جاهدَ نَفْسَهُ الَّتي بَينَ جَنْبَيهِ"2.

 

هذا وقد فُسّرت بعض الآيات التي وردت في دائرة الجهاد، بالجهاد الأكبر، إمّا لأنّها تخصّ الجهاد مع النفس، ولمدلولها العام في حركة السياق القرآني، الذي يتناول القِسمين للجهاد.

 

وجاء في تفسير القمي، في ذيل الآية (6) من سورة العنكبوت: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإنّما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، قَالَ عليه السلام: " ومن جاهد نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ وَاللَّذَّاتِ وَ المَعاصِي"3.

 

ويمكن أن نستوحي هذا المعنى من هذه الآية، من حيث إنّ فائدة الجهاد تعود على الإنسان نفسه، ويتّضح ويتجلّى أكثر في الجهاد مع النفس، وخصوصاً أنّ الآية التي جاءت قبلها، تكلّمت عن لقاء الله: ﴿وَمَنْ كَانَ يَرجُوا لِقاءَ اللهِ..﴾، ونعلم أنّ لقاء الله، والشهود والقرب منه، هو الهدف الأصلي للجهاد مع النفس.

 

وكذلك جاء في آخر آية من سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الُمحسِنِينَ﴾.

 

وهذه الآية أيضاً ناظرةٌ حسب الظاهر إلى الجهاد الأكبر، وذلك لقرينة: (فينا)، وجملة: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُم سُبُلَنا﴾، وتتضمن مفهوماً عاماً يستوعب كلا النَّحوين من الجهاد.

 

وجاء أيضاً في الآية (78) من سورة الحج: ﴿وجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُم وَمَا جَعَلَ عَلَيكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرج﴾.

 

فقد فسّر أغلب المفسّرين كلمة الجهاد بمعناها ومفهومها العام، الذي يشمل الجهاد الأصغر والأكبر، وبخصوص معنى الجهاد الأكبر، وكما قال المرحوم العلاّمة الطّبرسي في كتابه مجمع البيان، أنّ أكثر المفسّرين ذهبوا إلى أنّ المقصود من حقّ الجهاد، هو إخلاص النيّة والأعمال والطّاعات لله تعالى4.

 

وقد ذكر العلاّمة المجلسي رحمه الله هذه الآية، في زمرة الآيات النّاظرة للجهاد الأكبر5. كذلك. وجاء في الحديث المعروف عن أبي ذرّ رحمه الله أنّه قال: قُلتُ يا رسُولَ اللهِ أَيُّ الجِهادِ أَفضَلُ؟ فَقالَ صلى الله عليه واله وسلم: "أَنْ يُجاهِدَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ وَهَواهُ"6.

 

وكما ورد في حديث: جنود العقل وجنود الجهل، هذا المعنى أيضاً، إذ يُشبّه حياة الإنسان بساحةِ حرب، العقلُ جنوده في جهة، والجهلُ وهوى النّفس وجنودهما في الجهة المقابلة، فهذان المعسكران، يعيشان دائماً في حالة حربِ سِجال، ومن خلال هذا النّزاع، ومعطيات حالات الصّراع في أعماق النّفس، تتولد الكمالات المعنويّة للإنسان، وذلك عندما ينتصر العقل وجنوده، والنّصر الآني، هو السّبب في التّقدم النّسبي للكمالات الإنسانيّة.

 

النظريّة الثّانية: نظريّة الطّب الرّوحاني

فقد ذهبوا إلى أنّ الرّوح كجسم الإنسان، تُصاب بأنواع الأمراض، ولأجل الشّفاء يتوجب اللّجوء إلى أطبّاء النّفس والرّوح، والإستعانة بأدوية الأخلاق الخاصّة، حتى تبقى الرّوح سالمةً ونشطةً وفعّالةً.

 

والجدير بالذكر، أنّ القرآن الكريم أشار إلى الأمراض الأخلاقية والروحية، في إثني عشر موضعاً، وعبّر عَنها بالمرض7، ومنها الآية (10) من سورة البقرة، إعتبرت النِّفاق من زمرة الأمراض الروحية، فقالت: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُم اللهُ مَرَض﴾ بسبب إصرارهم على النّفاق.

 

وفي الآية (32) من سورة الأحزاب، وصفت عبيد الشّهوة بمرضى القلوب،الذين يتحيّنون الفرص لإصطياد النّساء العفيفات، حيث خاطب الباري تعالى نساء النبي صلى الله عليه واله وسلم، فقال: ﴿فَلا تَخْضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾.

 

وجاء في الآيات الاُخرى نفس هذا المعنى، وأوسع منه، بحيث تناولت الآيات، جميع الإنحرافات الأخلاقيّة والعقائديّة.

 

وفي معنى عميق آخر، عبّر القرآن الكريم، عن القلوب المليئة بنور المعرفة والأخلاق والتّقوى: بالقلوب السليمة. وجاء ذلك على لسان النّبي إبراهيم عليه السلام، حيث قال: ﴿وَ لا تُخْزِنِي يَومَ يُبعَثُونَ * يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ *إلاّ مَنْ أَتىْ اللهَ بِقَلب سَلِيم﴾(الشعراء:87-89).

 

"السّليم" من مادة "السّلامة"، وتقع في مقابل الفساد والإنحراف والمرض، و"القلب السّليم" كما جاء في الرّوايات عن المعصومين عليهم السلام، في تفسير هذه الآية، أنّه القلب الذي خَلا من غير الله تعالى، (منزّه من كلّ مرض أخلاقي وروحي).

 

وقال القرآن الكريم في مكان آخر: إنّ إبراهيم عليه السلام عندما طلب من الباري تعالى: القلب السّليم، (كما أشارت الآيات الآنفة الذّكر)، تحقّق له ما يُريد، وشملته رحمة ولطف الله تعالى، وأصبح ذا قلب سليم، فنقرأ في الآيات (83-84) من سورة الصافات: ﴿وإِنَّ مِنْ شَيعَتِهِ لاَبراهيم *إذْ جاء رَبَّهُ بِقَلب سَليم﴾.

 

نعم، فإنّ إبراهيم عليه السلام كان يتمنى أن يكون ذا قلب سليم، وبالسّعي والإيثار ومحاربة الشرك، وهوى النفس من موقع عبادة الله، إستطاع أن يصل بالنّهاية إلى ذلك المقام.

 

ونجد في الأحاديث الإسلامية، إشاراتٌ كثيرةٌ حول هذا الموضوع، ومنها

 

1- يصف الإمام علي عليه السلام، الرّسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم في نهج البلاغة، فيقول: "طَبِيبٌ دَوّارٌ بِطِبّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَراهِمَهُ وَأَحمَى مَواسِمَهُ يَضَعُ ذِلِكَ حَيثُ الحاجة إِلَيهِ مِنْ قُلُوب عُمي وآذان صُمٍّ وَأَلسِنَة بُكْم، مُتَتَبِّعٌ بِدوَائِهِ مَواضِعَ الغَفلَةِ وَمَواطِنَ الحَيرَةِ"8.

 

2- ورد في تفسير القلب السّليم، الذي ذُكر في الآيتين الشّريفتين أعلاه، رواياتٌ كثيرةٌ، فنقرأ أنّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، سئل: ما القَلبُ السّلِيم.

 

فقال صلى الله عليه واله وسلم: "دِينٌ بِلا شَكٍّ وَهُوىً، وَعَمَلٌ بِلا سُمْعَة وَرِياء"9.

 

ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام: "لا عِلْمَ كَطَلَبِ السَّلامَةِ، ولاسَلامَةَ كَسَلامَةِ القَلبِ"10.

 

وجاء في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إِذا أَحَبَّ اللهُ عَبداً رَزَقَهُ قَلبَاً سَلِيماً وَخُلْقاً قَويمَاً"11.

 

3- وقد ورد التعبير عن الأخلاق الرّذيلة، في الروايات بأمراض القلب.

 

فورد في حديث عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، أنّه قال: "إِيّاكُم وَالمراءَ وَالخُصُومَةَ فإنّهما يُمرِضانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخوانِ، وَ يَنْبُتُ عَلَيهما النِّفاقَ"12.

 

وجاء أيضاً عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: "ما مِنْ شَيء أَفْسَدَ لِلقَلبِ مِنْ خَطِيئَتِهِ"13.

 

4- ونقرأ عن الإمام علي عليه السلام أيضاً: "أَلا وَ مِنَ البَلاءِ الفاقَةُ، وَأَشَدُّ مِنَ الفاقَةِ مَرَضُ البَدَنِ، وَأَشَدُّ مِنْ مَرَضِ البَدنِ مَرَضُ القَلبِ"14.

 

5- وجاء أيضاً عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، في معرض حديثه عن الحسد، وأنّه كان ولا يزال على طول التأريخ مرضٌ نفسي عضال، فقال:

 

"أَلا إنَّهُ قَدْ دَبَّ إِلَيكُم داءُ الاُمَمِّ مِنْ قَبلِكُم وَهُوَ الحَسَدُ، لَيسَ بِحالِقِ الشَّعْرِ، لَكِنَّهُ حالِقُ الدِّينِ، ويُنجِي فِيهِ أَنْ يَكُفَّ الإِنسانُ يَدَهُ وَيَحْزُنَ لِسانَهُ وَلا يَكُونَ ذا غَمز عَلَى أَخِيهِ المُؤمِنُ"15.

 

6- وقد ورد في التّعبير عن الرذائل الأخلاقيّة، في كثير من الرّوايات بـ: "الدّاء" ومفهومها المرض، وجاء مثلاً في الخطبة (176) من نهج البلاغة، حيث يصف الإمام عليه السلام فيها القرآن الكريم: "فَإسْتَشفُوهُ مِنْ أَدوائِكُم... فَإِنَّ فِيهِ شِفاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالغيُّ والضَّلالُ".

 

ونرى أيضاً هذا التعبير في روايات كثيرة اُخرى.

 

وخلاصة القول، إنّ الفضائل والرّذائل، وطبقاً لهذه النظرية والرؤية، علامةٌ لسلامة ومرض الرّوح عند الإنسان، والأنبياء عليهم السلام والأئمّة المعصومين عليهم السلام، كانوا معلمي أخلاق، وأطباء نفسيين، وتعاليمهم تجسّد في مضمونها الدّواء النّافع والعلاج الشافي.

 

وعلى هذا، فكما هو الحال في الطّب المادي، ولأجل الوصول إلى الشّفاء الكامل، يحتاج المريض إلى الدواء، ويحتاج إلى الحُمية من بعض الأكلات، فكذلك في الطّب النّفسي والرّوحي الأخلاقي، يحتاج إلى الإمتناع عن أصدقاء السّوء، والمحيط الملّوث بالمفساد الأخلاقيّة، وكذلك الإمتناع عن كلّ ما يَساعد على تفّشي الفساد، في واقع الإنسان النفسي، ومحتواه الداخلي.

 

فالطّب المادي جعل العمليّة الجراحيّة كعلاج لبعض الحالات، وكذلك جعل الطّب الرّوحي الحدود والتّعزيرات والعُقوبات كوسيلة، ودواء رادع، عن الأعمال المنافيَة للأخلاق، وهي بِمنزلة إجراء العمليّة الجراحيّة في الطّب المادي.

 

وكما نرى في الطّب المادي، أنّه جعل العلاج في مرحلتين، مرحلة الوقاية: وهي المحافظة على الصّحة البدنيّة، والثّانية: مرحلة العلاج للمريض، فكذلك في الطّب الرّوحي والأخلاقي، يمرّ بمرحلتين: مرحلة الإرشاد والتعليم من قبل معلمي الأخلاق، للمحافظة على نفوس الناس من التلّوث بالرذائل، والثّانية: مرحلة العلاج للمذنبين الملوّثين بالرّذائل.

 

وما جاء في الخطبة (108) من نهج البلاغة، في وصف الرّسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، ومعالجاته بالمراهم والكيّ للجروح، يبيّن مدى التّنوع في الطّب الرّوحي، كما هو الحال في الطّب المادي.

 

ففي الطّب المادي (الجسماني)، توجد مجموعة إرشادات وأوامر كليّة لعلاج الأمراض، وقسمٌ من الأوامر التي تخص كلّ مرض بذاته، فكذلك الطّب الرّوحي، فالتّوبة وذكر الله والعبادات الاُخرى، والمحاسبة والمراقبة للنفس، هي اُصولٌ كليّةٌ للعلاج، وكلّ مرض أخلاقي، نجد الأوامر والإرشادات الخاصة به، مذكورةٌ في الكتب الإسلاميّة والأخلاقيّة.

 

النظريّة الثالثة: نظريّة السّير والسّلوك

وقد شبّه الإنسان في هذه النظريّة، بمسافر إنطلق من نقطةِ العدم، إلى لقاء الله تعالى، ويتحرك في سلوكه بهدف لقاء الله، والقرب من الذّات المقدّسة اللاّمتناهية.

 

في هذا السّفر، وكما هو الحال بالنسبة لأسفارنا الماديّة، يجب تحضير المركب والمتاع، وإزالة الموانع التي تقف في الطّريق، والتّفكير في كيفية التّصدي للّصوص وقطاع الطّريق والأعداء، للمحافظة على المال والأرواح، فهذا السّفر الرّوحاني والمعنوي، فيه منازل وطرق ملتوية وصعبة العبور، ومطبّاتٌ خطرةٌ، ولا يمكن العبور منه بسلامة، إلاّ بمعونة الدليل المطّلع والعارف بالطّريق، والعُبور منها واحداً بعد واحد حتّى الوصول إلى محطّ الرّحال ومنزل المقصود.

 

ويصرّ البعض أنّ السّير والسّلوك إلى الله تعالى، ومعرفته ومنازله، وزاده وأدلاّئه، والطّريق الموصل إليه، هو علمٌ غير علم الأخلاق، ومنفصلٌ عنه، ولكن وبنظرة أوسع، نرى أنّ السير والسّلوك الرّوحي، يلتقي في نفس الطّريق التي تهدف إليه التربية الأخلاقية، وتحصيل الفضائل في خط التّكامل المعنوي، وعلى الأقل أنّ الأخلاق الإلهيّة هي أحد أبعاد السّير والسّلوك الرّوحاني.

 

وعلى أيّة حال، فإنّ الآيات والروايات، أشارت إلى هذه النّظرية أيضاً، ومنها: الآية (156) من سورة البقرة، حيث تقول: ﴿الَّذِينَ إذا أَصابَتْهُم مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا للهِ وَإِنّا إِلِيهِ راجِعُونَ﴾.

 

فمن جهة، يرى الإنسان نفسه أنّه مُلكٌ لله تعالى، ومن جهة اُخرى، يرى نفسه أنّه مُسافر، ويتحرّك بإتّجاه الله تعالى شأنه.

 

ونقرأ أيضاً: ﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجعى﴾(العلق:8).

 

وجاء: ﴿يا أَيُّها الإنسانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلا قِيهِ﴾(الإنشقاق:6).

 

وجاء أيضا: ﴿رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيرِ عَمَد تَرَونَها... يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُم بِلَقاءِ رَبِّكُم تُوقِنُونَ﴾(الرّعد:2).

 

ويوجد أكثر من (20 آية)، تحدثت عن أن لقاء الله تعالى، في الواقع هو مقصود السّالكين إلى الله والعارفين به، ويعني اللّقاء المعنوي والرّوحي مع المحبوب، والمقصود الذي لا مثيل له.

 

وصحيحٌ أنّ هذه الآيات، وآياتُ الرّجوع إلى الله تعالى، تستوعب جميع هذه المعاني، ولكن هذا لا يمنع من أنّ سير وسلوك المؤمن والكافر، من ناحية الفِطرة والخلقة، هو بإتّجاه الباري تعالى، فبعضٌ ينحرف عن طريق الفطرة، فيسقط في واد سحيق، ولكن أولياء الله ومع إختلافهم بالمراتب، يصلون إلى المقصود، مثل الحيامن التي تسير جميعاً في عالم الرّحم لِتكوين الجَنين، فبعضها تموت في المراحل الأولى بسبب بعض الآفات، وتتوقف عن الحركة، وبعضها يستمر في طريقه، ليصل أحدها إلى الهدف.

 

وأفضل وأوضح من هذه التّعابير، هو تعبير القرآن الكريم، حيث يقول: (إِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى)، (وعادةً كلمة: الزّاد، تقال للطعام الذي يحمله المسافر معه، ولكنّها في الأصل موضوعةٌ لمعنى أشمل: بحيث تشمل كلَّ ذخيرة).

 

وعلى هذا الأساس يقول: إنّ التّقوى هي خيرُ الزّاد، وهي إشارةٌ إلى سير الإنسان في طريق التّوحيد الخالص، وعلى كلّ حال فإنّ هذا السّفر الرّوحاني يحتاج إلى زاد، وزاده لابدّ وأن يكون معنوياً أيضاً.

 

ونرى مثل هذا التعبير، واردٌ بكثرة في الرّوايات الإسلاميّة.

 

وفي موارد متعدّدة من نهج البلاغة، أتى ذكر التّزود للآخرة:

 

ففي الخطبة (157) يقول الإمام عليه السلام: "فَتَزَوَّدوا فِي أَيّامِ الفَناءِ لأَيَّامِ البَقَاءِ".

 

وفي الخطبة (132) نرى تعبيراً أوضح، فيقول عليه السلام:  "إِنّ الدُّنيا لَمْ تُخْلَقُ لَكُم دارَ مُقام، بَل خُلِقَتْ لَكُم مَجازاً لِتَزَوَّدُوا مِنها الأَعمَالَ إِلَى دارِ القَرارِ".

 

وجاء في الخطبة (133)، تعبير ألطَف وأدَق، فقال عليه السلام: "وَالبَصِيرُ مِنها مُتَزَوُّدُ والأَعمى لَها مُتَزَوُّدُ".

 

وهناك آيات في القرآن الكريم، يمكن أن تحمل في مضمونها إشاراتٌ لهذه النظريّة، ومنها: ﴿صِراطُ العَزِيزِ الحَميدِ﴾(إبراهيم:1)، و﴿الصِّراطُ المُستَقِيمَ﴾(فاتحة الكتاب:6)، و(سَبِيلِ اللهِ)، موجودةٌ في آيات كثيرة من القرآن الكريم، و﴿لِيَصُدّوا عنْ سَبِيلِ اللهِ﴾(الأنفال:36)، وأمثالها يمكن الإشارة بها إلى هذه النظرية.

 

المصدر : الأخلاق في القرآن،آية الله مكارم الشيرازي،مدرسة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام-قم،ط2،ج1،ص103-110

 

الهوامش

1- وسائل الشيعة، ج11، ص122 (باب 1، جهاد النفس).

2- بحار الأنوار، ج67، ص65.

3- تفسير القمي، ج2، ص148 بحار الانوار، ج67، ص65.

4- مجمع البيان، ج7، ص97.

5- بحار الأنوار، ج67، ص63.

6- ميزان الحكمة، ج2، ص141.

7- سورة البقرة:10 سورة المائدة:52 سورة الأنفال:49 سورة التوبة:125 سورة الحج:53 سورة النور:50 سورة الأحزاب:12 و32 و60 سورة محمد:20 و29 سورة المدثر:31.

8- نهج البلاغة، الخطبة 108.

9- مستدرك الوسائل، ج1، ص103 (الطبعة الجديدة).

10- بحارالأنوار، ج75، ص 164.

11- غُرر الحِكم، ج3، ص167، (طبعة جامعة طهران).

12- بحار الأنوار، ج70، ص399.

13- المصدر السابق، ص312.

14- نهج البلاغة، الكلمات القصار، كلمة 388.

15- ميزان الحكمة، ج1، ص630. 

 

المصدر

www.almaaref.org