الحج في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية
نشر من قبل الحكمة في 10:48 صباحا - 19 11 1429 هـ (17 11 2008 م)

قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ )( الحج:27 ,28 )، صدق الله العلي العظيم.


تفاصيل الخبر

الحج في أبعاده الاقتصادية والاجتماعية



     قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: ( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ )( الحج:27 ,28 )، صدق الله العلي العظيم.

الحج تلك العبادة العظيمة، التي ذكرنا بعض منافعها من نواحٍ متعددة, ولازالت هناك أبعاد وفوائد تترتب على الحج, تظهر للمتأمل في الروايات، حيث أنّ الأئمة من أهل البيت عليهم السلام كانوا يريدون للناس أن يصلوا إلى فهم غور الشريعة, من خلال هذه العبادة وأداء هذه المناسك.

البعد الاقتصادي للحج.

من الأبعاد التي يشتمل عليها الحج من الناحية الحسية الظاهرة للإنسان، هي الغنى، لأنّ الحج يوجب للإنسان أن يستغني، ونحن نعرف أهمية الجانب الاقتصادي في حياة الناس، فالإنسان يكدح كثيراً من أجل رفع مستواه الاقتصادي، والروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله والتي استعرضنا بعضاً منها, تشير إلى أنّ من الفوائد المترتبة على الحج الغنى، وحتى نتعرف على كيفية تأثير الحج في الغنى نحتاج أن نُذَّكِر ببعض الأمور الهامة، أنّ بعض الناس يتصور أنّ مسألة الغنى المادي ترتبط بالكد والجهد فقط, وينسى التأثير المعنوي من التوفيق الإلهي والعلاقات مع الناس. والحج يحقق للإنسان النمو الاقتصادي والرفع من مستواه المعيشي من هاتين الناحيتين، إذ أنّ الإنسان لا يتقدم معيشياً بكده وجهده فقط، بل يحتاج إلى توفيق إلهي وتيسير للأمور، ولذا؛ نجد أنّ بعض الناس يكدح كثيراً ويتعب دون هوادة، لكنه لا يحقق ما يصبو إليه, ولا يصل إلى مرتبة وصل إليها غيره في الاستغناء المادي, فالمقارنة بين الذين بذلوا جهداً أقل، ولكنهم حصلوا على ما يطمحون إليه من الاستغناء المادي مع غيرهم يتبين أن هذا، يعود إلى ما أشرت إليه من أنّ المسألة الاقتصادية لا ترتبط بالكدح وبذل الجهدفقط وإنما ترتبط بتدخل العناية الإلهية، فالله تبارك وتعالى يبارك للحاج في ماله, فيستفيد من أمواله وينميها. كما أنه يحقق له روابط بالكثير من الحجيج الذين ذهب وإياهم أو تعرف عليهم، ونحن نعرف الدور الفاعل للعلاقات الاجتماعية في التقدم المطرد من الناحية الاقتصادية. إذاً من الآثار التي تترتب على الحج، الغنى من الناحية المادية، وهناك غنى من الناحية المعنوية وقد أشرنا إليه، لكننا  نريد أن نؤكد على بعض  الجوانب الحسية الظاهرة والتي ذكرتها طائفة من الروايات, التي ذكرناها سابقاً، ونكتفي هنا بالإشارة إليها فقط, وذلك، مثل الرواية الواردة عن الإمام الباقر عليه السلام : (( ثلاث مع ثوابهن في الآخرة)) ويذكر منها الحج بأنه يوجب الغنى، والرواية الثانية : (( حجوا تستغنوا، وتُكفَونَ مؤونات عيالكم )) ، والثالثة تقول: (( من أدمن الحج والعمرة استغنى )).

البعد الصحي للحج.

هناك آثار طيبة ومباركة تترتب على الحج من ناحية الصحة في البدن، وهذا الأثر من الأهمية بمكان يفوق الأثر الأول باعتبار أنّ الكثير من الناس يسعى لتحصيل الصحة في بدنه، بل؛ وينفق أمواله الكثيرة من أجل تحصيل الصحة في البدن، وأنتم تقرؤون في الصحف وتشاهدون في شاشات التلفاز أثرياء العالم والمتمولين الذين ينفقون الملايين من أجل العلاج والتداوي لأمراضهم في المستشفيات الراقية, مثل (مايو كلينيك) وغيره من المستشفيات الرائدة والرائعة في العالم، إذاً الصحة في البدن لها أهمية كبيرة، والروايات تشير إلى أنّ هذا الأثر يتحقق ويترتب على الحج، فكما أنّ الغنى يترتب على الحج, كذلك الصحة في البدن تترتب على الحج، وقد يسأل الإنسان، كيف تترتب الصحة في البدن على الحج؟

دور الإعلام وتجارب الآخرين في الوعي الصحي.

كي أجيب على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى مجموعة من الحيثيات التي يظهر منها كيف يتمكن الإنسان أن يصل الى مستوى صحي جميل في بدنه؟

فنحن نعلم أنّ هناك علاقة تبادلية بين الصحة البدنية والصحة النفسية، وطبيعة الصحة النفسية ترتبط بجانب العلاقات الاجتماعية، كلما توسع نطاق العلاقات الاجتماعية وبني على أسس صحيحة وسليمة ومن أهمها الارتباط بالله تبارك وتعالى، كلما أصبحت صحة الإنسان النفسية في مستوى عالٍ, انعكست في تأثيرها على بدن الإنسان، لأنّ الكثير من أمراض الإنسان الجسمية والبدنية تعود إلى الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان. والحج- كما نلاحظ - يحقق للإنسان علاقات اجتماعية رائدة مبتنية على الارتباط بالله تبارك وتعالى والأخوة في الله جل وعز، ولذلك، نجد أنّ هذا الجانب المعنوي ينعكس على الجانب المادي في صحة الإنسان، بالإضافة إلى ذلك، نجد من الأمور المحسوسة والمرئية أنّ الحاج تتاح له فرصة كبيرة في أن يتسع أفقه من ناحية الوصول إلى مستوى أعلى في فهم مايحتاج إليه من ناحية صحية، وذلك، من خلال علاقاته بالآخرين وما يطلع عليه من تجاربهم وخبراتهم المتعددة, وفي غير الحج لا تتيح له الظروف الطبيعية الالتقاء بهم والتحدث إليهم والاستماع منهم،بينما في الحج تتاح له فرصة كبيرة للاستماع إلى الكثير من البرامج التوعوية في الناحية الصحية من جهة، وكذلك، الاستفادة من تجارب الحجيج، الذين يلتقي بهم، ويستمع إليهم، من جهة أخرى. وهذه التجارب القيّمة يكون لها مردود إيجابي ينعكس على صحته البدنية، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية، ولعل تلك الروايات التي تشير إلى تحقق هذا الأثر للحاج تريد أن تبين أنّ الحاج يتاح له ما لا يتاح لغيره؛ في الاطلاع والاستماع لمرئيات وتجارب الآخرين، وهذا بالتأكيد سيرفع من مستوى الوعي الصحي لديه, وبالتالي ينعكس عليه إيجابيا في صحته, وهذا الأثر أهم من الغنى من الناحية المادية, باعتبار أن الإنسان ينفق أمواله من أجل الصحة في بدنه.

البعد الاجتماعي للحج.

        إنّ من الآثار الطيبة والمباركة التي تترتب على الحج، بناء العلاقات الاجتماعية السليمة, مع مختلف أنماط وضروب المجتمع، على أساس الارتباط بالله تبارك وتعالى دون تفرقة، بمعنى أنّ الحاج يتاح له من خلال أدائه لهذه الفريضة المقدسة  أن يلتقي مع مختلف من أسلم وجهه لله وهو محسن، وجاء إلى هذه الأماكن المقدسة، ممن  يشترك معهم في الإسلام, وهذا يعني، أنّ هناك حقوقاً يجب عليه أن يؤديها تجاه إخوانه من المسلمين، وأيضاً هناك حقوق يجب على المسلمين أداؤها تجاهه، والتعرف على هذه الحقوق المتبادلة بين الحاج وإخوانه الآخرين، لا يتأتى في الحالة الطبيعية والعادية لدى الناس، وأما في الحج فيتم التعرف على هذه الحقوق بأكمل صورة، بحيث ترتفع تلك الأطر الضيقة, التي تشكل حاجزاً سميكاً لا تتاح فيه للإنسان الرؤية الواعية، التي تتجاوز الأطر الضيقة، التي تَحُد الإنسان وتقيده من الانطلاق والانفتاح على الآخر، وهذه الأطر الضيقة قد تكون الأسرة أو القبيلة أو البلد الذي يسكنه أو الطائفة التي ينتمي إليها وما إلى ذلك من الأطر. ولكن الحج يتاح فيه للحاج الوافد على الله أن يزيل تلك الحجب و القيود، أو على الأقل يخفف منها، كي يستوعب الرؤية الواقعية التي يشير إليها قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )( الحجرات:13)، فيبدأ هذا الحاج بالتعامل على أسس قرآنية أصّلها الإسلام الحنيف، ومن أهم هذه الاسس أنه لا فرق بين الإنسان وبين أخيه الإنسان إلا بتقوى الله تبارك وتعالى، وهذه نعمة كبرى تتأكد بالذهاب إلى الحج، بحيث لايرى الحاج أنّ تلك الأطر الضيقة تؤثر في مساره العملي والسلوكي, بل؛ يبني علاقات اجتماعية على تقوى الله وعلى أسس سليمة منفتحة على مختلف أفراد وجماعات وفئات المسلمين الذين اشتركوا معه في أداء هذه المناسك، ولعل هذا الاثر الطيب الاجتماعي يحدث تأثيراً في منحيين:

الأول : التأثير في الجانب الحسي والمادي.

الثاني : تأثيره في الجانب المعنوي للإنسان.

 إذاً بناء العلاقات الاجتماعية على أسس سليمة بروابط مستقيمة لا تحدها الأطر الضيقة ينتج هذين المنحيين. بينما نجد أنّ الاتجاهات الحديثة تعتمد على التعامل الحر في المجال الاقتصادي فقط . ولكنّ الإنسان إذا أدى فريضة الحج، فإنه يتاح له أن يعتمد الحرية في تعامله وتبادله مع أخيه الإنسان ليس من الناحية الاقتصادية فحسب، بل من كل النواحي, التي يُعد الجانب الاقتصادي في ضمنها. إذاً للحج أبعاد متعددة وصدق الباري تبارك وتعالى الذي قال( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم ْ)، والمنافع جمع منفعة، وهي لا تحد بمنفعة خاصة في المجال المعنوي فقط أو المجال المادي فحسب، بل تتعدد هذه المنافع لتشمل كل الأبعاد التي يتعامل معها الإنسان، فيجد أنّ هناك مجموعة من المصالح قد تحققت لديه ببركات هذه العبادة العظيمة.