خوف اللّه ورجاؤه وتعلق القلب به
نشر من قبل الحكمة في 12:09 مساء - 30 07 1441 هـ (24 03 2020 م)

قد تجد الكثير من الناس الذين يتّسمون بالإيمان ، يتلهّون عن اللّه تعالى ، ويشدّون قلوبهم إلى غيره ، يخافون مِن الأرض ولا يخافونه ، ويرجون الدنيا وزخارف الحياة ، ولا يرجون رزقه أو نعيمه ، ولا يستشعرون


تفاصيل الخبر

خوف اللّه ورجاؤه وتعلق القلب به

قد تجد الكثير من الناس الذين يتّسمون بالإيمان ، يتلهّون عن اللّه تعالى ، ويشدّون قلوبهم إلى غيره ، يخافون مِن الأرض ولا يخافونه ، ويرجون الدنيا وزخارف الحياة ، ولا يرجون رزقه أو نعيمه ، ولا يستشعرون عندما يذكرون الله تعالى لا خوفاً ولا رجاء ولا خشية ولا خشوعاً ، وإنّما هي كلمةٌ تجري على اللسان ، وفكرة تمرّ على الخاطر ثمّ ينزاحا ليحلّ محلّهما الثرثرة وأحلام وهموم الدنيا ، قد تتلمّس قلبك أحياناً فلا تجد فيه عند ذكر اللّه إيماناً ، ولا كفراً ولا خوفاً ولا رجاء .

غير أنّ المؤمن يعرض لنا في كتاب اللّه تعالى ، وكلمات المعصومين من خلفه في صورة أُخرى .

1 - يعرض لنا قلب المؤمن رقيقاً حسّاساً مرهفاً .. يتأثّر ويتحرّك وينفعل ، ويخشى ويخاف ويتطلّع ..

وليس كومة لحم هامدة غليظة قاسية..( لمّتان : لمّةٌ مِن الشيطان ، ولمّة من المَلَك فلمّة الملك : الرقّة ، والفهم ، ولمّة الشيطان : السهو ، والقسوة )

( يا موسى ، لا تطول في الدنيا أملك فيقسو قلبك ، والقاسي القلب منّي بعيد ) .

( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )(10) .

2 - هذه الرقة في القلب هذه الحساسية .. والانفعال بكلّ معانيه وأشكاله مرتبطة في قلب المؤمن باللّه تعالى وليس بالمنصب الشخصي ، ولا بالمركز الاجتماعي والمال.. ولا من القوم والعشيرة وغير ذلك من المعاني الدنيوية .. الكثيرة التي تتعلّق قلوب الناس بها ، فتنفعل بحركتها وتنعكس عليها تقلّبات هذه المعاني وأضرابها ، ولنأخذ الآن أشكال تعلّق قلب المؤمن باللّه تعالى .

1 - رجاء اللّه تعالى في النوائب .. عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) أنّه قرأ في بعض الكتب أنّ الله تبارك وتعالى يقول : ( وعزّتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي ، لأقطعنّ أمل كلّ مؤمّل من النّاس غيري باليأس ، ولأكسونّه ثوب المذلّة عند النّاس ، ولأنحينّه مِن قُربي ، ولأبعدنّه من فضلي . أيؤمّل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ؟ ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب ، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني ؟

فمَن ذا الذي أمّلني لنائبة فقطعته دونها ؟ ومَن الذي رجاني لعظيمةٍ فقطعت رجاءه منّي ؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة ، فلم يرضوا يحفظني وملأت سماواتي ممّن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أنْ لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي ألم يعلم من طرقَته نائبة من نوائبي ، أنّه لا يملك أحد كشفها غيري إلاّ من بعد إذني ، فما لي أراه لاهياً عنّي ؟ أعطيته بجودي ما لم يسألني ثمّ انتزعته منه فلم يسألني ردّه وسأل غيري ، أبخيلٌ أنا فيبخّلني عبدي ؟ أوَليس الجود والكرّم لي ؟ أوَليس العفو والرحمة بيدي ؟ أوَليس أنا محلّ الآمال فمن يقطعها دوني ؟ أفلا يخشى المؤمّلون أنْ يؤمّلوا غيري ؟ فيا بؤساً مِن القانطين مِن رحمتي ويا بؤساً لِمن عصاني ولم يراقبني )(11) .

عن الصادق ( عليه السلام ) كان فيما أوصى به لقمان لابنه أنْ قال : ( يا بني ، خف اللّه خوفاً ، لو جئته ببرّ الثقلين خفت أنْ يعذّبك اللّه وارج اللّه رجاء ، لو جئته بذنوب الثقلين رجوت أنْ يغفر اللّه لك ) .

وعنه ( عليه السلام ) : ( كان أبي يقول : ليس من عبدٍ مؤمن إلاّ وفي قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد هذا على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا ) .

وعنه ( عليه السلام ) : ( ارج اللّه رجاء لا يجرئك على معصيته ، وخف اللّه خوفاً لا ييئسك من رحمته )(12) .

إنّ كلاً من الرجاء والخوف لو أُخذا منفصلين أحدهما عن الآخر ، لأثر هذا على سلوك الإنسان المسلم تأثيراً سلبياً - كما يبدو ذلك من هذا النص وغيره ؛ لأنّ الرجاء بلا خوف يجرى على المعصية ، والخوف بلا رجاء يُيئس من رحمة اللّه تعالى ، وسلوك اليائسين سلوك منحرف والإنسان يعمل لآماله العريضة ، ورجائه باللّه تعالى أنْ يثيبه وينجيه من عذاب اليم .

2 - خشية اللّه تعالى .. والخشية هي الانفعال المأخوذ بعظمة اللّه تعالى وهيبته .

( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) .

( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )

4 - الأنس باللّه تعالى ، والرضا بقضائه ، وعدم الجزع والضيق والسخط من قضاء اللّه تعالى وقدره .

هوامش

(8) - أُصول الكافي ج 2 ص 125 - 127

(9) - اصول الكافي ج 2 موارد متفرقة

(10) - سورة الحديد / 16

(11) - الوسائل جهاد النفس باب 12 ص 167 - 168

(12) - الوسائل جهاد النفس باب 13

 

المصدر

https://www.alhassanain.com/