التكبّر
نشر من قبل الحكمة في 11:40 صباحا - 16 12 1437 هـ (18 09 2016 م)

وهو حالة تدعو إلى الإعجاب بالنفس ، والتعاظم على الغير ، بالقول أو الفعل ، وهو : من أخطر الأمراض الخلقيّة ، وأشدّها فتكاً بالإنسان ، وأدعاها إلى مقت الناس له وازدرائهم به ، ونفرتهم منه . لذلك تواتر ذمّه في الكتاب والسنّة :


تفاصيل الخبر

التكبّر

وهو حالة تدعو إلى الإعجاب بالنفس ، والتعاظم على الغير ، بالقول أو الفعل ، وهو : من أخطر الأمراض الخلقيّة ، وأشدّها فتكاً بالإنسان ، وأدعاها إلى مقت الناس له وازدرائهم به ، ونفرتهم منه .

لذلك تواتر ذمّه في الكتاب والسنّة :

قال تعالى : ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )( لقمان : 18 ) .

وقال تعالى : ( وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً )( الإسراء :37 ) .

وقال تعالى : ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) ( النحل : 23 ) .

وقال تعالى : ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ )( الزمر : 60 ) .

وقال الصادق ( عليه السلام ) : ( إنّ في السماء ملَكَين موكَّلين بالعباد ، فمَن تواضع للّه رَفَعاه ، ومن تكبّر وضعاه )(1) .

وقال ( عليه السلام ) : ( ما مِن رجل تكبّر أو تُجبَر ، إلاّ لذلةٍ وجدها في نفسه )(2) .

_____________________

(1) الوافي ج 3 ص 87 عن الكافي .

(2) الوافي ج 3 ص 150 عن الكافي .

الصفحة 56

وقال النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) : ( إنّ أحبّكم إليّ ، وأقربكم منّي يوم القيامة مجلساً ، أحسنكم خُلُقاً ، وأشدّكم تواضعاً ، وإنّ أبعدكم منّي يوم القيامة ، الثرثارون ، وهُم المستكبرون )(1) .

وعن الصادق عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : ( مرّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) على جماعة فقال : على ما اجتمعتم ؟ فقالوا : يا رسول اللّه ، هذا مجنون يُصرع ، فاجتمعنا عليه . فقال : ليس هذا بمجنون ، ولكنّه المبتلى . ثمّ قال : ألا أخبركم بالمجنون حقّ المجنون ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ، قال : المُتَبختر في مشيه ، الناظر في عطفيه ، المحرّك جنبيه بمكنبيه ، يتمنّى على اللّه جنّته ، وهو يعصيه ، الذي لا يُؤمنُ شرّه ، ولا يُرجى خيره ، فذلك المجنون وهذا المبتلى )(2) .

وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في خطبة له : ( فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطويل ، وجهده الجهيد ؟ وكان قد عبد اللّه ستّة آلاف سنة ، لا يُدرى أمِن سنيّ الدنيا ، أم مِن سنيّ الآخرة ، عن كِبر ساعة واحدة ، فمَن بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ، كلا ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشراً بأمر أخرج به منها ملكاً ، واستعيذوا باللّه من لواقح الكِبر ، كما تستعيذون من طوارق الدهر ، فلو رخّص اللّه في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه ورُسُله ، ولكنّه سُبحانه

_____________________

(1) البحار مج 15 ج 2 ص 209، عن قرب الإسناد ، وقريب منه في علل الشرائع للصدوق( ره ) .

(2) البحار م (15) ج 3 ص 125 عن الخصال للصدوق .

الصفحة 57

كرّه إليهم التكابر ، ورضي لهم التواضع )(1) .

وعن الصادق عن أبيه عن جدّه ( عليهم السلام ) قال : ( وقع بين سلمان الفارسي وبين رجلٍ كلام وخصومة فقال له الرجل : مَن أنت يا سلمان ؟ فقال سلمان : أمّا أوّلي وأوّلُك فنطفةٌ قذرة ، وأمّا آخِري وآخِرُك فجيفةٌ منتنة ، فإذا كان يوم القيامة ، ووِضِعَت الموازين ، فمن ثقُل ميزانه فهو الكريم ، ومَن خفّ ميزانه فهو اللئيم )(2) .

وعن الصادق ( عليه السلام ) قال : ( جاء رجلٌ موسر إلى رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) نقيّ الثوب ، فجلس إلى رسول اللّه ، فجاء رجلٌ مُعسِر ، درن الثوب ، فجلَس إلى جنب الموسر ، فقبض الموسر ثيابه مِن تحت فخذيه ، فقال له رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) : أخفت أنْ يمسّك مِن فقره شيء ؟ قال : لا . قال : فخِفتَ أنْ يوسّخ ثيابك ؟ قال : لا . قال : فما حملَك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول اللّه ، إنّ لي قريناً يُزيّن لي كلّ قبيح ويقبّح لي كلّ حسَن ، وقد جعلت له نصف مالي . فقال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) للمعسِر : أتقبل ؟ قال : لا . فقال له الرجل : لِمَ  ؟ قال : أخاف أنْ يدخلني ما دخلك ) .

مساوئ التكبّر:

من الواضح أن التكبر من الأمراض الأخلاقية الخطيرة، الشائعة

_____________________

(1) نهج البلاغة.

(2) البحار م 15 ج 3 ص 124 عن أمالي الصدوق.

الصفحة 58

في الأوساط الاجتماعيّة ، التي سرت عدواها ، وطغت مضاعفاتها على المجتمع ، وغدا يعاني مساوئها الجمّة .

فمن مساوئ التكبّر وآثاره السيّئة في حياة الفرد :

أنّه متى استبدّ بالإنسان ، أحاط نفسه بهالةٍ من الزهو والخيَلاء ، وجُنّ بحبِّ الأنانيّة والظهور ، فلا يسعده إلاّ الملِق المزيف ، والثناء الكاذب ، فيتعامى آنذاك عن نقائصه وعيوبه ، ولا يهتمّ بتهذيب نفسه ، وتلافي نقائصه ، ما يجعله هدفاً لسهام النقد ، وعرضة للمقت والازدراء .

هذا إلى أنّ المتكبّر أشدّ الناس عُتوّاً وامتناعاً عن الحقّ والعدل ، ومقتضيات الشرائع والأديان .

ومن مساوئ التكبّر الاجتماعيّة :

أنّه يُشيع في المجتمع روح الحقد والبغضاء ، ويعكّر صفو العلاقات الاجتماعيّة ، فلا يسيء الناس ويستثير سخطهم ومقتهم ، كما يستثيره المتكبّر الذي يتعالى عليهم بصلفه وأنانيّته .

إنّ الغطرسة داء يُشقي الإنسان ، ويجعله منبوذاً يعاني مرارة العزلة والوحشة ، ويشقي كذلك المرتبطين به بصنوف الروابط والعلاقات .

بواعث التكبّر :

الأخلاق البشريّة كريمة كانت أو ذميمة ، هي انعكاسات النفس على صاحبها ، وفيض نبعها ، فهي تُشرق وتُظلم ، ويحلو فيضها ويمرّ تبعاً

الصفحة 59

لطيبة النفس أو لؤمها ، استقامتها أو انحرافها . وما مِن خُلُق ذميم إلاّ وله سببٌ من أسباب لؤم النفس أو انحرافها .

فمن أسباب التكبّر : مغالاة الإنسان في تقييم نفسه ، وتثمين مزاياها وفضائلها ، والإفراط في الإعجاب والزهو بها ، فلا يتكبّر المتكبّر إلاّ إذا آنَس من نفسه عِلماً وافراً ، أو منصباً رفيعاً ، أو ثراءً ضخماً ، أو جاهاً عريضاً ، ونحو ذلك من مثيرات الأنانيّة والتكبّر .

وقد ينشأ التكبّر من بواعث العِداء أو الحسَد أو المباهاة ، ممّا يدفع المتّصفين بهذه الخلال على تحدّي الأماثل والنُبلاء ، وبَخس كراماتهم ، والتطاول عليهم ، بصنوف الازدراءات الفعليّة أو القوليّة ، كما يتجلّى ذلك في تصلّفات المتنافسين والمتحاسدين في المحافل والندوات .

درجات التكبّر :

وهكذا تتفاوت درجات التكبّر وأبعاده بتفاوت أعراضه شدّةً وضعفاً .

فالدرجة الأُولى : وهي التي كَمِن التكبّر في صاحبها ، فعالجه بالتواضع ، ولم تظهر عليه أعراضه ومساوئه .

والدرجة الثانية : وهي التي نما التكبّر فيها ، وتجلّت أعراضه بالاستعلاء على الناس ، والتقدّم عليهم في المحافل ، والتبختر في المشي .

والدرجة الثالثة : وهي التي طغى التكبر فيها ، وتفاقمت مضاعفاته ، فجُنَّ صاحبها بجنون العظمة ، والإفراط في حبّ الجاه والظهور ، فطفق

الصفحة 60

يلهج في محاسنه وفضائله ، واستنقاص غيره واستصغاره . وهذه أسوأ درجات التكبّر ، وأشدّها صَلفَاً وعتوّاً .

أنواع التكبّر:

وينقسم التكبر باعتبار مصاديقه الى ثلاثة أنواع :

(1) - التكبّر على اللّه عزَّ وجل :

وذلك بالامتناع عن الإيمان به ، والاستكبار عن طاعته وعبادته . وهو أفحش أنواع الكفر ، وأبشع أنواع التكبّر ، كما كان عليه فرعون ونمرود وأضرابهما مِن طغاة الكفر وجبابرة الإلحاد .

(2) - التكبّر على الأنبياء .

وذلك بالترفّع عن تصديقهم والإذعان لهم ، وهو دون الأوّل وقريب منه .

(3) - التكبّر على الناس :

وذلك بازدرائهم والتعالي عليهم بالأقوال والأفعال ، ومن هذا النوع التكبّر على العلماء المخلصين ، والترفّع عن مسائلتهم والانتفاع بعلومهم وإرشادهم ، ممّا يفضي بالمستكبرين إلى الخُسران والجهل بحقائق الدين ، وأحكام الشريعة الغرّاء .

علاج التكبّر :

وحيث كان التكبّر هَوَساً أخلاقيّاً خطيراً ماحقاً ، فجدير بكلّ عاقل

الصفحة 61

أنْ يأخذ حذره منه ، وأنْ يجتهد - إذا ما داخلته أعراضه - في علاج نفسه ، وتطهيرها مِن مثالبه ، وإليك مُجملاً من النصائح العلاجيّة :

(1) - أنْ يعرف المتكبّر واقعه وما يتّصف به مِن ألوان الضعف والعجز : فأوّله نطفةٌ قذرة ، وآخره جيفةٌ منتنة ، وهو بينهما عاجز واهن ، يرهقه الجوع والظمأ ، ويعروه السقم والمرض ، وينتابه الفقر والضُّر ، ويدركه الموتُ والبِلى ، لا يقوى على جلب المنافع وردّ المكاره ، فحقيق بمن اتّصف بهذا الوهن ، أنْ ينبذ الأنانيّة والتكبّر ، مستهدياً بالآية الكريمة : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  )( القصص : 83 ) .

فأفضل الناس أحسنهم أخلاقاً ، وأكثرهم نفعاً ، وأشدّهم تقوى وصلاحاً .

(2) - أنْ يتذكّر مآثر التواضع ومحاسنه ، ومساوئ التكبّر وآثامه ، وما ترادف في مدح الأوّل وذمّ الثاني من دلائل العقل والنقل ، قال بزر جمهر : ( وجدنا التواضع مع الجهل والبخل ، أحمد عند العقلاء من الكِبَر مع الأدب والسخاء ، فأنبِل بحسنة غطّت على سيئتين ، وأقبح بسيّئةٍ غطّت على حسنتين )(1) .

(3) - أنْ يروّض نفسه على التواضع ، والتخلّق بأخلاق المتواضعين ، لتخفيف حدّة التكبّر في نفسه ، وإليك أمثلةٌ في ذلك :

أ - جديرٌ بالعاقل عند احتدام الجدل والنقاش في المساجلات العلميّة أنْ يذعن لمناظره بالحقّ إذا ما ظهر عليه بحجّته ، متفادياً نوازع المكابرة والعناد .

_____________________

(1) محاضرات الأُدباء للراغب .

الصفحة 62

ب - أنْ يتفادى منافسة الأقران في السبْق إلى دخول المحافل ، والتصدّر في المجالس .

ج - أنْ يخالط الفقراء والبؤساء ، ويبدأهم بالسلام ، ويؤاكلهم على المائدة ، ويجيب دعوتهم ، متأسيّاً بأهل البيت ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ) .

المصدر

 

http://www.alhassanain.com