الانسان في النظام الاخلاقي للاسلام
نشر من قبل الحكمة في 09:25 صباحا - 08 04 1436 هـ (28 01 2015 م)

ينبثق النظام الاخلاقي للاسلام من عقيدة ترى ان اللّه تعالى هو مبدأ الوجود، وأن الانسان موجود، لكنه محتاج محض في وجوده كله، وليست نسبته الى اللّه عزوجل بأكثر من الوجود الرابط. وقد قال تعالى في القرآن الكريم: (يا أيها الناس أنتم الفقراء الى اللّه واللّه هو الغني الحميد)


تفاصيل الخبر

الانسان في النظام الاخلاقي للاسلام

ينبثق النظام الاخلاقي للاسلام من عقيدة ترى ان اللّه تعالى هو مبدأ الوجود، وأن الانسان موجود، لكنه محتاج محض في وجوده كله، وليست نسبته الى اللّه عزوجل بأكثر من الوجود الرابط. وقد قال تعالى في القرآن الكريم: (يا أيها الناس أنتم الفقراء الى اللّه واللّه هو الغني الحميد)[1].

ولهذا صاغ الاسلام نظامه الاخلاقي بما يتناسب مع العلاقة بين العبد وربه عزوجل. فتصرُّف الانسان في الاشياء إنما هو في حقيقته تصرّف في ملك اللّه تعالى، لانه المالك الحقيقي للوجود كله. ووعي هذه الحقيقة وتمثّلها يستتلي إطاعة أوامر اللّه تعالى حتى لو افتقدت للنفع الدنيوي أو الاخروي. بمعنى أن الاعتقاد بربوبية اللّه تعالى التكوينية والتشريعية يدفع الانسان في مقام العمل الى التسليم المحض والانقياد الكامل للاحكام الالهية.

من الواضح ان أوامر اللّه تعالى ونواهيه ترتبط بالمصالح والمفاسد المترتبة عليها. لكن يجدر بالانسان أن يوطّن نفسه على إطاعة اللّه عزوجل في كل حال، حتى لو لم تكن تلك الاوامر والنواهي مجسّدة للمصالح والمفاسد. كما استجاب النبي ابراهيم(عليه السلام) للامر الالهي بذبح ابنه اسماعيل(عليه السلام)، فقتل الابن في ذاته لا يحقق سعادة دنيوية أو اُخروية، لانعدام الرابطة التكوينية بين القتل وكلتي السعادتين. ولولا الامر الالهي لما استوجب ابراهيم(عليه السلام) السعادة الاُخروية بعزمه على ذبح اسماعيل(عليه السلام)، بل ما كان إبراهيم ليقدم على مثل هذا الفعل.

أن يأمر اللّه تعالى بذبح النبي اسماعيل، ويعتزم أبوه النبي ابراهيم(عليه السلام) تنفيذ الامر، وان يحث اسماعيل والده على تنفيذ الامر كما جاء في القرآن الكريم: (يا أبت افعل ما تؤمر)[2].

فتلك أمور تفتقد أي مسوّغ في الانظمة الاخلاقية غير الالهية. لكنها هنا اصطبغت بحقيقة ارتباط كل شيء باللّه تعالى، وأن الجميع ملك للّه عزوجل، ومكلّفون بالقيام بما يأمر به دون اعتراض، سواء كان ينطوي الامر على مصلحة فردية او اجتماعية أو لا ينطوي.

ان العلاقة بين عبودية الانسان وربوبية اللّه تعالى تطبع أفعال الانسان بصبغة إلهية لها الدور الاساس في إيصال الانسان الى سعادته، كما قال تعالى:

(صبغة اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة)[3].

وهذا الامر كان السبب وراء الاعتقاد بأن الحسن ما أمر به اللّه، والقبيح ما نهى عنه اللّه تعالى أي أن الحسن والقبح ليسا أمرين ذاتيين للافعال، إنما يكتسبان من أوامر اللّه ونواهيه.

وهذا اعتقاد خاطئ، كما تدلّ على ذلك الايتان الاتيتان:

(ان اللّه يأمر بالعدل والاحسان)[4].

(قل إن اللّه لا يأمر بالفحشاء)[5].

يعني ان العدل والاحسان اللذين يأمر بهما اللّه تعالى خصيصتان ذاتيتان لمجموعة من الافعال الانسانية التي لها وجود وواقع قبل صدور الامر الالهي، وأن اللّه تعالى أمر بها ـ الافعال ـ لتحلّيها بتلكما الخصيصتين، وليس أن صبغة العدل والاحسان اُعطيتا لتلك الافعال بعد أن أمر اللّه تعالى بها.

كذلك الفحشاء فهي خصيصة ذاتية لمجموعة من الافعال الاخرى الموجودة، ولهذا فإن اللّه تعالى لا يأمر بها.

وعلى هذا الاساس فالعدل والاحسان والفحشاء مفاهيم انتزاعية، ولها مصاديق خارجية، بغض النظر عن الامر بها أو النهي عنها.

فحيثية الامر والنهي غير الحيثية الذاتية للافعال، وان الاوامر والنواهي الالهية تضيف الى القيمة الذاتية قيمة اُخرى سلبية أو ايجابية، هي إما العبودية والطاعة والانقياد للّه عزوجل، أو معصيته وتجاوز حدوده.

الهوامش

([1]) فاطر : 15.

([2]) الصافات: 102.

([3]) البقرة: 138.

([4]) النحل: 90 .

([5]) الاعراف: 28.

المصدر

 

http://www.sibtayn.com/