41/04/13 (10 ديسمبر 2019)
القائمة الرئيسية

 

عدد زوار الشبكة
copy html code
احصائيات الزوار
Flag Counter
شبكة التقوى الاسلاميه

البحث في الموقع

الإنابة الشيخ محمّد علي الساعدي ( 2 )
دروس أخلاقية

الإنابة الشيخ محمّد علي الساعدي ( 2 )

 

أنواع الإنابة

     الإنابة من حيث إنها درجة ورتبة آتية بعد التوبة، وإن من نزل في منزل التوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، حيث إنّ التوبة النصوح قد تكون مندرجة وداخلة في منزلة الإنابة، ذلك فيما إذا أردنا في التقسيم والبيان مراتب سلوك العابد وسير القاصد. أما من حيث حقيقة الموجودات ومرتبة المخلوقات فهي تختلف في إنابتها إلى مبدعها وخالقها بحسب القصد والجبلة التي عليها من مقام العشق الإلهي الذي يفترض أن يكون هناك شوق ووجد إلى نور الأنوار، وحقيقة الحقائق، وغيب الغيوب تباركت أسماؤه وجلت حضرته من أن تطأها أقدام القاصرين المحجوبين في عالم الظلمة والطبعية.

عباراتنا شتى وحسنك واحد * * * وكل إلى ذاك الجمال يشير

     وعليه كانت إنابة المخلوقات تختلف كلّ الاختلاف عن أصل الإنابة، وحقيقة الإنابة المطلوب بيانها في هذه الوريقات القليلة.

     فالإنابة تقسم على ما تقدم إلى : إنابة ظاهرية : وهي إنابة المخلوقات: برها وفاجرها، عامها وخاصها، وهي التي لا تتوقف على الإيمان والإخلاص، بل هي تكشف عن كذب مدعيها، وغدر وخيانة قائليها، وعدم وفائهم بالعهد بعد النجاة، قال الله تبارك وتعالى أسمه: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون* ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون)(44).

     أما الإنابة الحقيقية : فهي إنابة أهل الله، وهي إنابة صادقة، إنابة الحب العبودي الخالص التي هي مظهر لا سمه المنيب، حيث لا يستحق لطفه في اسمه هذا إلاّ من تخلق بحقيقة هذا الاسم والتي تشمل:

أ ـ الحب له، وفيه، ومن أجله تبارك اسمه.

ب ـ الخضوع له، والتذلل إليه سبحان وتعالى.

ج ـ الإقبال والتوجه نحوه بالكل؛ لأنه أهل لذلك.

د ـ ترك وهجر، والإعراض عما سواه.

     فاجتماع هذه الألطاف وهذه الخصوصيات في اسمه "المنيب" تعطي للسالك القاصد معنى الإنابة الحقيقية التي تورث الحب، وتعطي العبد المعرفة بنفسه وبربه قال تعالى: (وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت واليه أنيب). فالوصول إلى تلك المقامات والتمتع بتلك الحالات لا يكون إلاّ بتوفيق الله ولطفه،والإقبال عليه، والتضرع والخشية منه في كلّ حالةٍ، وفي كلّ طرفة عين، ومع حالات القلب المختلفة وخوطره الكثيرة.

 كيف تتحقق الإنابة؟

     لا يبلغ العبد درجة الإنابة إلاّ بعد اجتياز جملة من المراحل والحالات التي لابد من المجاهدة وترويض النفس فيها، لحصول معنى الإنابة الصادقة في النفس، ومن خلال ملاحظة لجملة من الشروط والآداب والاجتهاد في فهمها وتحقيقها في القلب، حتّى تكون ملاكاً للنفس وحالة دائمة ومستقرة فيها:

1 ـ ترك التبعات والخروج منها بالتوبة الصادقة والاستغفار الحقيقي، من خلال الإقبال على الله ـ تبارك اسمه ـ بحقيقة النفس، حتّى يستغرق القلب في فكره تبارك وتعال.

2 ـ إظهار التألم والتوجع للسقطات والعثرات، من خلال ذكر الله تبارك وتعالى، وعدم الغفلة عنه، واليقظة الكاملة والتامة، وذكر آلائه ونعمه، وأن يكون العبد دائم الذكر لأهل طاعته ومحبته.

3 ـ وأن يواظب على طاعته وعبادته، ويستدرك ما فاته من الطاعات والخروج

من تبعات الذنوب التي بينك وبين الله، والتوجه بالإخلاص إلى طاعته تبارك وتعالى، وترك الاستهانة والغفلة(46).

     قال الإمام علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ في دعاء يوم عرفة: ((وأتيتك من الأبواب التي أمرت أن تؤتى منها، وتقربت إليك بما لا يقرب أحد منك إلاّ بالتقرب به، ثم أتبعت ذلك بالإنابة إليك، والتذلل والاستكانة لك، وحسن الظن بك، والثقة بما عندك، وشفعته برجائك الذي قل ما يخيب عليك راجيك))(47).

 أهمية وآثار الإنابة

     إنّ للإنابة آثارا وفضائل كما هي الحال في فضائل وآثار التوبة والاستغفار، فغن الإنابة وتحققها بما هي من حالة الرجوع الكامل إلى الله تعالى بالإخلاص والعمل والانقطاع الكامل إليه تعطي آثارها الفائضة عنها، والواقعة للعبد بعد توفيق الله تبارك اسمه له في نيل هذا النعيم وهذه الرحمة، إذ لولا (لطفه تبارك وتعالى لما وفقنا لذلك، فإذا ندمت على فعلك ورجعت إليه أحبك وجعلك محبوباً له)(48) فمن تلك الفضائل والآثار أن الإنابة تؤدي إلى:

أ ـ المعرفة وتورثها في النفس، حيث تعتبر علامة للاهتداء نحو الطريقة المثلى والسبيل الأوضح والصراط السوي، قال تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)(49).

ب ـ إنّ الإنابة عنوان الاستقامة على الطريق الصحيح، حيث تقوم النفس وتؤدب ما يؤدي إلى تهذيب القلب من خلال أداء الطاعات المفروضة واجتناب المعاصي؛ لأن عنوان الاستقامة على الطريق كفيل بعبور العبد السالك في طريق العبودية بإرشاد ما هو مشروع ومعقول في رسالة البشير الهادي الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ، قال تعالى: (ويقول الّذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنّ الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب)(50).

ج ـ تحرض على قبول الحق، ورفض العناد من خلال حدوث حالة من الصفاء الواعي والوداعة الطيبة في قلب العبد السالك، تجعله راضياً بالحق، قابلاً له، منكراً ورافضاً العناد الذي يحدث في النفس حالةً من الانزعاج التام وعدم الطمأنينة والرضا بفعل الله تبارك اسمه، قال الله تبارك وتعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت واليه أنيب)(51).

     وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب)(52).

هـ ـ إنها تحدث في النفس حالة من الخشية والتوكل الدائم والمستمر على الله في كلّ شيءٍ، وطلب المغفرة منه؛ لما تركته هذه الحالة من الرجوع إليه تبارك وتعالى من الطمع والرغبة في فضله ورحمته تبارك اسمه، قال تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب)(53).

و ـ تزف البشرى والنعمة من الخالق سبحانه وتعالى لعباده المنيبين بأنهم على الهدى وعلى الصراط، وهم أهل الألباب، وذوي الفطنة والحكمة والتلقي والأخذ وحسن الاستماع من جراء تحقق معنى الإنابة في قلوبهم وذواتهم، قال تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الّذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)(54).

 الإنابة في كلمات العرافين

     قال العارف أبو إسماعيل عبد الله الأنصاري: ( الإنابة : الرجوع إلى الحق اصطلاحاً كما رجع إليه اعتذاراً، والرجوع إليه وفاء ما رجع إليه عهداً، والرجوع إليه حالاً كما رجع إليه إجابة )(55).

     وقال الشريف علي بن محمّد الجرجاني: ( الإنابة : إخراج القلب من ظلمات الشبهات والرجوع من الكل إلى من له الكل، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الوحشة إلى الأنس )(56).

     وقال ابن القيم: ( ومن علامات الإنابة : ترك الاستهانة بأهل الغفلة، والخوف عليهم، مع فتح باب الرجاء لنفسك، فترجو الرحمة وتخشى على أهل الغفلة والنقمة، ولكن أرج لهم الرحمة، وأخش على نفسك النقمة، وإن كنت لابد مستهيناً بهم، ماقتاً لهم، لانكشاف أحوالهم لك ورؤية ما هم عليه، فكن لنفسك أشد مقتاً منك لهم، وكن أرجى لهم لرحمة الله منك لنفسك )(57).

     وقال النراقي في ذكره للإنابة : (الإنابة : هي الرجوع عن المباحات)(58).

وقال عفيف الدين التلمساني في تعليقه على منازل السائرين: (إنّ الإنابة هي : الرجوع إلى الله في إصلاح الطاعة، كما رجعت إليه في الاعتذار عن المعصية عند التوبة)(59).

     وقال العلامة الفيلسوف الطباطبائي في معنى الإنابة : (الإنابة إلى الله : الرجوع إليه، وهو التوبة)(60).

     وقال محمّد رضا الطباطبائي اليزدي في الإنابة : (إنها الرجوع عن المباحات إليه تبارك وتعالى، وهي رجوع عن كلّ شيءٍ ما سوى الله، والإقبال عليه بالسر والقول والفعل حتّى يكون دائماًُ في فكره وطاعته)(61).

     فما تقدم من ذكر التوبة والإنابة لا يتحقق إلاّ بالمجاهدة والرياضة وبذلك المهج، وتهذيب الأخلاق وتزكيتها من الرذائل، والوصول إلى الله تبارك اسمه، والفناء فيه، وتحقق معنى قوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون)(62).والعبادة قيام العبد بالطاعة على أحسن وجوهها، فغن ذلك لا يكون إلاّ من خلال الاعتماد على ظاهر الشريعة، وآداب السلوك عند أهل هذه الملة والأمة المرحومة، وما صدع به الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله ـ من الورود في هذا الدين وعلى صراطه المستقيم.

     قال العارف الرباني الإمام الخميني قدس سره: (واعلم : أن طي أي طريق في المعارف الإلهية لا يمكن إلاّ بالبدء بظاهر الشريعة، وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة، وتنكشف العلوم الباطنية وأسرار الشريعة، وبعد انكشاف الحقيقة وظهور أنوار المعارف في قلبه سيستمر أيضاً في تأدبه بالآداب الشرعية الظاهرية، ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول: إنّ الوصول إلى العلم الباطن يكون ترك العلم الظاهر، وهذه الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ودرجات الإنسان)(63).

     وقال جمال العارفين، محي الدين العربي في إصلاحات الصوفية في الفتوحات المكية، في ذكره لمعنى التصوف : (الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً، وهي الأخلاق الإلهية)(64).

     فعلم الظاهر يوصل إلى الباطن، والتأدب بآداب الشريعة والرياضة المشروعة والإقبال على الله ـ تبارك اسمه ـ وحبه وعشقه ورفض سواه كفيل بوصول الإنسان إلى غاية كماله ونهاية مآله، والتفويض إلى الخالق في كلّ شيء.

رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا

فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا(65).

     وهذا أيضاً يكشف دعوى من يدع الحب والوصال دون العمل، وبذلك الجهد والمجاهدة في هذا السبيل الطويل والدرب الشاق مع قلة الزاد، راجياً من حبه الخالي وأمانيه الكاذبة لله ولأهل الله ـ تبارك اسمه ـ أن ينجيه من عقبات يوم القيامة ومن جهنم ولظى، ناسياً أن هذا السير وهذا الدرب لن تبلغ نهايته، ولا يوصل إلى غايته إلاّ بالعلم والعمل والإخلاص والصدق في المواطن وترك الهوى والشبهات.

قال أبو حفص عمر بن الفارض في ذلك:

ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى * * * ولكنها الأهواء عمت فأعمت (66).

 

الهوامش

44 ـ الروم: 33 ـ 34.

45 ـ هود: 88.

46 ـ شرح منازل السائرين: 78.

47 ـ الصحيفة السجادية، شرح عز الدين الجزائري: 82.

48 ـ الأربعون حديثاً للإمام الخميني: 261.

49 ـ لقمان: 15.

50 ـ الرعد: 27.

51 ـ الشورى: 10.

52 ـ الشورى: 13.

53 ـ غافر: 13.

54 ـ ق: 31 ـ 33.

55 ـ الزمر: 17 ـ 18.

56 ـ منازل السائرين: 77.

57 ـ التعريفات للجرجاني: 17.

58 ـ مجلة العرفان، العدد التاسع، شوال (1392 هـ.ق).

59 ـ جامع السعادات 3: 89.

60 ـ منازل السائرين: 77.

61 ـ بداية الأخلاق: 241.

62 ـ الذاريات: 56.

63 ـ الأربعون حديثاً لإمام الخميني ( 25.

64 ـ الفتوحات المكية:

65 ـ جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض لأمين الخوري: 157.

66 ـ المصدر السابق: 73.

 

المصدر : شبكة الامامين الحسنين

http://www.alhassanain.com/arabic/all/maghalat/akhlaq/anabh.htm

 

translate this site
chose your language
click trans
  
الوقت الآن
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
استبيان الأعضاء
مارأيك بالشبكة بعد التطوير؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر تواجد للأعضاء
الحكمة 1 يوم
مشرف عام 14 أسابيع
المشرف العام 46 أسابيع
السيد كرار 358 أسابيع
Erronryoscito 457 أسابيع
benaelmo 457 أسابيع
vitrya 457 أسابيع
baenals 457 أسابيع
walcfaus 457 أسابيع
jaggche 457 أسابيع

الزيارات غير المكررة: 13,695,068 وقت التحميل: 0.02 ثانية