41/04/14 (11 ديسمبر 2019)
القائمة الرئيسية

 

عدد زوار الشبكة
copy html code
احصائيات الزوار
Flag Counter
شبكة التقوى الاسلاميه

البحث في الموقع

الإنابة الشيخ محمّد علي الساعدي ( 1 )
دروس أخلاقية

الإنابة الشيخ محمّد علي الساعدي ( 1 )

  

     قال الله سبحانه وتعالى : (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الّذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب)(1).

 تمهيد

     لا يبلغ الإنسان السالك غاية كماله ونهاية وصاله نحو الحق تبارك اسمه إلاّ بتزكية الأخلاق والوصول إلى معالي الأخلاق؛ لأن الأخلاق في الإسلام تقوم على عملية الموازنة بين غرائز الإنسان، اعتماداً على نظرة الإسلام للكون والحياة، والتي تعطينا نظاماً خاصاً وعطاء منسجماً مع طريقة الإسلام في الحياة، والتي تمنح الضوابط الأخلاقية التي تحفظ الإنسان من الشذوذ والانحراف فالإسلام باعتباره خاتم الرسالات حافظاً لسير الإنسان التكاملي، محيلاً بينه وبين الانحراف والوقوع في مزالق الهوى والفساد.

     وسيرة الرسول محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ شاهد حقيقي على اهتمامه ـ صلى الله عليه وآله ـ بحفظ عملية الموازنة والاهتمام بالأخلاق الفاضلة، وسيرته تحكي لنا ذلك والقرآن الكريم شهد له بذلك في قوله تبارك اسمه: (وإنك لعلى خلق عظيم)(2).

     فالإنسان ـ أياً كان ـ لا يمكن أن يصل إلى غاية خلقه ونهاية كماله إلاّ بقدر ما يكسب من الأخلاق الفاضلة، والأمة تبقى متأخرة مجهولة لا تستطيع أن تنهض بأفرادها نحو شاطئ السعادة والانتصار مالم تعمق في أفرادها جانب الأخلاق والتاريخ يحدثنا عن كثير من الأمم والشعوب التي بادت حضارتها وفقدت كيانها لأنها تنصلت عن أبسط القيم التي كان من الممكن أن تحفظ لها إمكانية الاستمرار والبقاء وعليه فتزكية الأخلاق والتخلي عن رذائلها يكمن في اهتمام الإنسان والأخذ بما أمر به القرآن الكريم والرسول وآله ـ عليهم السلام ـ وصحبه الكرام، وترويض النفس وكفاحها وكدحها من أجل تربية الروح.

     ولكن رغم ذلك فلا يزال المسلمون يعانون من مشكلة في الأخلاق، والى خواء في الروح، واختلاف في الصفوف، إلى نعرات جاهلية واختلاف على الغايات والأهداف، فضلاً عن الاختلاف في الوسائل والطرق، والكل يتوجع ويشكو ويبحث عن السبب وحله ولا يكون ذلك إلاّ بالعودة إلى الله تبارك اسمه، والتوبة من الذنوب، والإنابة إليه بالشكل الحقيقي الذي أمر به الله تعالى بواسطة رسوله ـ صلى الله عليه وآله ـ بقوله: (قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وانيبوا إلى ربكم واسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب وأنتم لا تنصرون)(3).

 الإنابة في اللغة

     الإنابة لغةً من النوب يقال: (ناب ونوبة، والنوب : رجوع الشيء مرة بعد أخرى، وسمي النحل توباً لرجوعها إلى مقارها، ونابته نائبة: أي: حادثة من شأنها أن تنوب دائماً) (4). والإنابة في اللغة: هي الرجوع (5).

 ناب بدر التمام طيف محياك * * * لطرفي بيقظتي إذ حكاكا(6).

      قال ابن منظور في ذكره للإنابة أنها من : (ناب الأمر نوباً ونوبةً: نزل، ونابتهم نوائب الدهر. وفي حديث خيبر قسمها نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجاته، ونصفاً بين المسلمين، النوائب جمع نائبة، وهي: ما ينوب الإنسان، أي: ينزل به المهمات والحوادث والنائبة: المصيبة واحدة نوائب الدهر النازلة، ويقال: أصبحت لا نوبة لك، أي: لا قوة لك، وكذلك تركته لانوب له، أي: لا قوة له، وناب عني فلان ينوب نوباً ومناباً، أي: قام مقامي وناب عني في هذا الأمر نيابة إذا قام مقامك)(7). فالإنابة إذن : العودة والرجوع.

     قال الزمخشري في تعريفه للإنابة أنها من النوب : (نابه أمر نوبة، وأصابته نوائب ونوب ونائبة ونوبة، والخطوب تنوبه وتتناوبه، وناب إليه نوبةً ومناباً: رجع مرة بعد أخرى، والنحل تنوب إلى الخلايا، ولذلك سميت النوب. قال أبو ذؤيب:

 إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * * * وحالفها في بيت نوب عوامل

      واليه مناب : مرجعي، وخبر نائب: كثير عواد، وهو ينتابنا، وهو منتاب: مفاد مراوح، وأناب إلى الله، وعبد منيب، وأتاني فلان فما أنبت إليه: إذا لم تحفل به، وناوبه مناوبة، وتناوب القوم في غيره.

     ونوب فلان: جعلت له النوبة. وناب عنه نوبة، وهو ينوب منابه، وأنبته منابي، واستنبته) (8).

     وكلمة الإنابة هي الإقبال والرجوع يقال أناب ينيب إنابه فهو منيب إذا اقبل ورجع.

 الإنابة في الاصطلاح

     الإنابة اصطلاحاً : رجوع إلى الله تبارك اسمه، وهي : (رجوع عن كلّ شيءٍ مما سوى الله، والإقبال عليه بالسرور والقول والفعل، حتّى يكون دائماً في فكره وطاعته، فهي غاية درجات التوبة وأقصى مراتبها) (9).

     فهي رجوع إليه تبارك اسمه بالاستغفار والمتاب، والإخلاص لوجهه، والالتزام به، والإسراع إليه بالثبات على سبيله، ومحاربة الشيطان وإغوائه ووساوسه عن طريق الإعراض والنسيان لمكائده. والمنيب: هو العبد الراجع إلى خالقه سريعاً.

     فالإنابة : (إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل، وفلان ينتاب فلاناً: يقصده مرة بعد أخرى) (10) ومنه قولنا عن حقيقة الرجوع إلى الله تبارك اسمه: إنها تعني: الجهد والمواظبة واليقظة، وإرادة في النفس وتوجيهها إلى ما تراه موافقاً لغرضها في الوصول إلى الحق بنية صادقة وإخلاص دائم، وحمل النفس على المشاق البدنية، ومخالفة الهوى على كلّ حال:

 وسدد وقارب واعتصم واستقم لها * ** * مجيباً إليها عن إنابة مخبت(11).

 وهذا الرجوع والإقبال على الله تبارك اسمه لا يكون إلاّ بالعزم والإرادة والتصميم الأخير بترك الذنوب، والانتقال إلى ترك المباحات، وذلك لا يكون إلاّ بسبق العبد إلى حسن ظنه بنفسه، فيختفي عن مذموم شيمه ومساوئ أخلاقه؛ لأن النفس بالسوء أمارة، وعن الرشد زاجرة، فإذا كانت كذلك فحسن الظن بها، هو وثوق بها، وهو عجز، والعاجز من عجز عن سيئات نفسه، وهذا لا يتناسب ومقام السالك إلى الله تبارك اسمه والسير إليه، والانتقال إلى مقام الإنابة والعودة إليه بالخضوع والخشية لله تبارك وتعالى.

 الإنابة في القرآن الكريم  

     ورد ذكر الإنابة في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعاً في آيات كثيرة تحكي عن هذه الكلمة وهذه المفردة، التي تورث معرفتها نوعاً من المعرفة التي يستحق العبد المؤمن في إدراكها غاية درجات المتيقن.

     فقوله تبارك اسمه: (فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب) (12) بيان حالة النبي داود ـ عليه السلام ـ وإنابته ولا شك أن مفهوم الإنابة في هذه الآية الكريمة يختلف عن مفهومها في قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا اذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون)(13).

     إنّ الآية الكريمة التي تحكي عن القدوة الحسنة المتمثلة في إبراهيم ـ عليه السلام ـ وإظهاره البراءة من أعداء الله، ومن عبادتهم الهوى والأصنام، وإظهار الكفر بذلك، وترك عبادتهم ودينهم، وتعيين الموقف الحقيقي منهم بإظهاره ـ عليه السلام ـ العداوة والبغضاء إلى نهاية المطاف بشرط البقاء على ضلالتهم عناداً أما لو آمنوا فهم إخوانهم في الدين، عند ذلك يصل القول في الآية الكريمة إلى: (وإليك أنبنا واليك المصير)(14). وهو مقام العودة إلى الحق، أي من الكل إلى من له الكل، وهي تختلف عن إنابة عموم العباد، وهذا مرتبط بالتسليم المطلق والتفويض إليه بعد الوصول إلى درجة الإنابة الحقيقة.

 ولك الأمر فاقض ما أنت قاض * * * فعلي الجمال قد ولاكا (15).

      قال تعالى (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذا قالوا لقومهم إنا برء آؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدابيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا بالله وحده إلاّ قول إبراهيم لأبيه لا ستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيءٍ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا واليك المصير)(16).

     والتدبير والنظر في قوله تبارك اسمه: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون)(17) ينبئ أن الإنابة لم تؤخذ في معناها الحقيقي، أو أنها ليست الإنابة التامة لأولياء الله، رغم أن هذه الآية الكريمة تشير إلى الإنابة والتسليم لكن لا يعني أن ذلك من خصوصيات مقام غير مقام عموم الناس، وهذا متروك إلى محله.

     فقوله تعالى: (وأنيبوا...) يعني: الرجوع إليه و(العودة إلى أفياء الطاعة وظلال الاستسلام بلا طقوس، ولا مراسم، ولا حواجز، ولا وسطاء، ولا شفعاء، إنه حساب مباشر بين الرب والعبد، وصلة مباشرة بين الخالق والمخلوق، فمن أراد الأوبة من الشاردين فليؤب، ومن أراد الإنابة من الضالين فلينب) (18).

     أخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم) قال: أقبلوا إلى ربكم. وأخرج ابن المنذر، عن عبيد بن يعلى أنّه قال: الإنابة: الدعاء(19).

     فإتيان الإنابة بمعنى : الرجوع أو العود أو الدعاء من خلال النظر والتدبر في الآيات الكريمة يعني ذلك: أن العبد لابد أن يكون رجوعه رجوع اعتذار كما هو الحال في التوبة بعد ترك الذنب والاستغفار منه، وهذا العود يشهد للعبد بصحة الحال والثبات، وعدم التهاون والغفلة:.تلقاك بالإنابة واخلص لك التوبة "(20).

     أما مسألة ذكر الإنابة في هذه الآية الكريمة واشتمالها على معان كثيرة فهو مطلب يحتاج إلى مقارنة بين منزلة التوبة ودرجة الإنابة، كما سيأتي في محله؛ لأن التوبة والمغفرة التي أكدت على ضرورة الإخلاص في التوبة النصوح والانتقال إلى درجة الإنابة. وقد يصح أن نقول: إنّ الإنابة تعني في مقام بعض السالكين توبة، وفي مقام آخر إنابة وعودة؛ لأنها: (رجوع إلى الله، وهو التوبة من وضع الظاهر موضع المضمر، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وأنيبوا إليه، والوجه فيه: الإشارة إلى التعليل، فإن الملاك في عبادة الله سبحانه صفة ربوبية) (21).

 الفرق بين التوبة والإنابة  

     ليس المقصود من الفرق بين التوبة والإنابة هو الفرق اللغوي أو الاصطلاحي بقدر ما هو فرق من حيث مقامات السالك ودرجات سيره إلى الله تبارك وتعالى؛ لأن تنقل العبد من مقام إلى مقام هو في الحقيقة: صعود وترق في سفره إلى الله جل جلاله.

     قال جمال العارفين أبو عبدالله محمّد بن علي، المعروف بابن العربي: ( السفر : عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق تعالى بالذكر)(22).

وهذا السفر والتوجة هو الذي يحدد حالة العبد إذا كان تواباً أو منيباً.

     قال الإمام أبو عبدالله الصادق ـ عليه السلام ـ: ((إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبه الله، فستر عليه في الدنيا، فقلت: وكيف يستر عليه ؟ قال: ينسي ملكه ما كتب عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيءٍ من الذنوب))(23).

     والحديث يكشف لنا حقيقة التوبة النصوح التي تؤهل الإنسان السالك إلى أن يصل درجة الإنابة التي هي ـ بلا شك ـ درجة ومنزلة تختلف كلياً عن منزلة التوبة، فالتوبة هي : (ترك الذنب على أجل الوجوه وهو أبلغ وجوه الاعتذار)(24).

     وهي توثيق العزم على ترك الذنب وعدم العودة إليه والفورية في هذا الترك.

قال ابن عباس : (التوبة النصوح : الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود)(25).

قال ابن الوردي:

 واسأل إلهك عصمة وحماية * * * فالسيئات قواصف الأعمار(26).

      ولما كان الوصول إلى التوبة النصوح لا يتحقق إلاّ بالندم والعزم على ترك المعصية والاستغفار الحقيقي لكن الندم على الذنب هو حالة الانكسار التام، وإظهار الحرقة والألم عند ارتكاب المعصية، وهو حالة من (الغم الذي يصيب الإنسان ويتمنى أن ما وقع منه لم يقع )(27). وهذا يدعو إلى العزم والإرادة على الترك المقرون بالاستغفار الذي هو طلب المغفرة بعد رؤية قبح المعصية والإعراض عنها واستصلاح الأمر الفاسد قولاً وفعلاً)(28).

     فالاستغفار يخلق في النفس حالة من القبول والرجوع إلى الله جل جلاله، وهو يمثل (عين الرجوع إلى حقيقة النفس الروحانية، والتي أصبحت بواسطة الذنوب والمعاصي محجوبة عن نور الفطرة والروح)(29).

     فكما أن الاستغفار للعبد باب العودة إلى الفطرة السليمة والروح الطاهرة فهو كذلك يكشف عن العبد أنواع البلاء، ويؤثر أثراً خاصاً في زيادة الخير وإدرار الرزق، قال الله تبارك اسمه: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمدد كم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهار)(30).

     فصدق العبد المؤمن في تركه الذنب وندمه واستغفاره هو الذي يفتح باب التوبة لإنقاذه من المصير المظلم (بالتوبة والإيمان الصحيح والعمل الصالح) (إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحا( ويعد الله تعالى التائبين المؤمنين العاملين أن يبدل ما عملوه من سيئات قبل التوبة حسنات بعدها تضاف إلى حسناتهم الجديدة (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)(31).

     وهو فيض من عطاء الله لا مقابل له من عمل العبد، إلاّ أنّه اهتدى ورجع عن الضلال، وتاب إلى حمى الله ولاذ به بعد الشرور والمتاهة (وكان الله غفوراً رحيم)(32).

     فالابتداء بالندم والإقلاع عن المعصية، والانتهاء بالعمل الصالح الذي يحقق التوبة النصوح، بعدها تتحقق الرحمة والمغفرة من الله تعالى الغفور الرحيم، فهو تبارك اسمه غافر وغفور وغفار للذنب؛ لأنه جل جلاله (يزيل معصيتك من ديوانك، وغفور؛ لأنه ينسي الملائكة أفعالك، وغفار؛ لأنه ينسيك ذنبك حتّى كأنك لم تفعل. وقيل: الغافر في الدنيا، والغفور في القبر، والغفار في عرصة يوم القيامة) (33).

     فالانتقال من التوبة إلى الإنابة لا يتحقق حتّى يستكمل العبد مرحلة التوبة النصوح ويحقق ذلك في نفسه، خصوصاً إذا وصل السالك إلى آخر درجات التوبة التي هي: الاستغفار الحقيقي القلبي، لا الاستغفار الذي لا يتعدى اللسان، كلقلقة الكلام الميت الذي ليس له حالة واقعة ومؤثرة في النفس، قال الله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يعفر الذنوب إلاّ الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ولنعم أجر العاملين)(34).

     فذكر الله ـ تبارك اسمه ـ والرجوع إليه بالاستغفار والحزن الطويل، والبكاء من الخطيئة، وقضاء العبادات التي فوتها العبد أثناء ارتكاب الذنب، والخروج من مظالم العباد، وترويض هذه النفس الأمارة بتحميلها ما يشق عليها في الشريعة المقدسة، يعطي للعبد استغفاراً حقيقياً مقبولاً عند الله تبارك اسمه قال الإمام علي ـ عليه السلام ـ لقائل قال بحضرته: ((أستغفر الله، ثكلتك أمك، أتدري ما الاستغفار أن الاستغفار درجة العليين،

وهو اسم واقع على ستة معان:

الأول : الندم على ما مضى.

الثاني : العزم على ترك العود عليه أبداً.

الثالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة.

الرابع : أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها.

الخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبة بالأحزان حتّى تلصق الجلد بالعظم وينشأ لحم جديد.

السادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: أستغفر الله))(35).

     فحقيقة الاستغفار هكذا، وليس مجرد قول وكلام؛ لأن الاستغفار درجات بحسب توبة العباد، كما أن توبة العباد تختلف بحسب حالاتهم، ( فمثلاً : توبة العام من الذنوب، وتوبة الخاص من الاشتغال بغير الله، وتوبة الأولياء من تلوين الخاطر، وتوبة الأنبياء من اضطراب السر ) (36).

     قال الإمام العارف بالله، الشيخ أبو حفص، عمر بن الفارض المخصوص بالشراب الرائق القائض قدس سره :

 ولى عندها ذنب برؤية غيرها * * * فهل لى إلى ليلى المليحة شافع ؟ (37).

      فبمعرفة ما مر ذكره من الندم والاستغفار الحقيقي والوصول إلى التوبة النصوح يظهر لنا الفرق الحقيقي بين التوبة والإنابة، من حيث مقام السالك الذي تجاوز التوبة بغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة والإعتراف بجنايته والندم على ما فوت من حق الله.

     واستحقاق مقام الإنابة والدخول فيها يحتاج إلى آداب وأعمالٍ وأورادٍ حتّى يستحق العابد الوصول إلى مقام أرفع، ودرجة أعلى، بعد ذلك يصل إلى الكمال الحقيقي والفناء المطلق (وعدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة البارئ ومشاهدة الحق) (38) تبارك اسمه.

     وخلاصة القول : إنّ الفرق بينهما ينحصر في قول العالم العارف النراقي رحمه الله حيث يقول: (التوبة : هي الرجوع عن الذنب إلى الله، والإنابة: هي الرجوع عن المباحات) (39).

 حقيقة الإنابة

     لما كان حال الإنسان في هذه الدنيا لا يخلوا من ثلاث حالات هي : السلوك ما بعد السلوك، أي: الاحتجاب في عالم الطبيعه، والظلمة والسفر والسلوك، ومرحلة الفناء والوصول إلى المحبوب ـ حيث (لم يبق من آثار العبودية شيء، ونال الفناء الذاتي المطلق) (40) ـ كان الإنسان السالك والعبد الطالب محتاج إلى التوبة والإنابة في حال السلوك فقط، أما قبل السلوك فهي حالة الاحتجاب الكامل الذي لا حاجة فيها إلى هذه المطالب وتلك المشارب.

     ولما كانت نهاية التوبة النصوح نيل العبد لتجلي الله ـ تبارك اسمه ـ باسمه التواب لقوله تعالى: (فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) (41) ـ فكانت في حق الرب: (عبارة عن عودته إلى الإحسان اللائق بالربوبية) (42). حيث إنّ التواب الذي يقابل الدعاء بالعطاء، والاعتذار بالاغتفار، والإنابة بالإجابة، والتوبة بغفران الذنب ـ كانت حقيقة الإنابة: النيل من أنوار اسمه وتجلياته.

     فمن سلك طريق الإنابة أصبح مظهراً لاسمه تعالى "المنيب" في وجوب اتباع طريق من عاد إلى عز الطاعة، والى حضرته تعالى بالتوحيد والإخلاص في الطاعة، قال تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلى مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون)(43).

 

يتبع ..

 

الهوامش

1 ـ الزمر: 17 ـ 18.

2 ـ القلم: 4.

3 ـ الزمر: 53 ـ 54.

4 ـ معجم ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني: 525.

5 ـ منازل السائرين لأبي إسماعيل الأنصاري: 77.

6 ـ جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض للخوري: 191.

7 ـ لسان العرب لابن منظور 14: 318.

8 ـ أساس البلاغة للزمخشري: 475.

9 ـ بداية الأخلاق لمحمد رضا الطباطبائي اليزدي: 241.

10 ـ معجم ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني: 525.

11 ـ جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض لأمين الخوري: 156.

12 ـ ص: 24.

13 ـ الروم: 23.

14 ـ الممتحنة: 4.

15 ـ جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض لأمين الخوري: 192.

16 ـ الممتحنة: 4.

17 ـ الزمر: 54.

18 ـ جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض لأمين الخوري: 194.

translate this site
chose your language
click trans
  
الوقت الآن
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
استبيان الأعضاء
مارأيك بالشبكة بعد التطوير؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر تواجد للأعضاء
الحكمة 19:01:48
مشرف عام 15 أسابيع
المشرف العام 46 أسابيع
السيد كرار 358 أسابيع
Erronryoscito 457 أسابيع
benaelmo 457 أسابيع
vitrya 457 أسابيع
baenals 457 أسابيع
walcfaus 457 أسابيع
jaggche 457 أسابيع

الزيارات غير المكررة: 13,696,423 وقت التحميل: 0.03 ثانية