41/04/12 (09 ديسمبر 2019)
القائمة الرئيسية

 

عدد زوار الشبكة
copy html code
احصائيات الزوار
Flag Counter
شبكة التقوى الاسلاميه

البحث في الموقع

الإفضال على غير المستحقّ
دروس أخلاقية

الإفضال على غير المستحقّ

هذا معطوف على قوله عليه السلام : ترك التعيير ، فالمعنى : ترك الإفضال على غير المستحقّ.

والإفضال : هو التفضّل والابتداء بالإحسان.

يقال : أفضل عليه إفضالاً ، وكذا تفضّل عليه تفضّلاً ؛ أي تطوَّل عليه ، وأحسَنَ إليه ابتداءً.

وغير المستحقّ : هو من لا يستوجب الإفضال والإحسان إليه ، بواسطة عدم أهليّته له ، أو عدم ، حصول أهليّة له بالإحسان إليه ، بواسطة كونه فاسداً.

فإنّ الابتداء بالإحسان إلى هكذا شخص تبذيرٌ للمال ، وإسرافٌ فيه ، وهو مذموم ، وقد ينجرّ إلى فساد هذا الشخص ، أو فساد عمله ، أو ترويج عملٍ فاسدٍ في المجتمع.

ومن الصفات الحسنة في الصالحين والمتّقين أنّه يكون إفضالهم وإحسانهم إلى مستحقّي ذلك واللّائقين له.

فلا يسرفون بإهدار أموالهم في الموارد غير المناسبة ..

ومن طرفٍ آخر لا يبخلون بأموالهم في المستحقّين والموارد المناسبة .. بل هم النمط الأوسط ، بعيدون عن الإفراط والتفريط ، معتدلون في الإنفاق ، يكون إحسانهم وإفضالهم جارياً على المستحقّين.

وهذا هو الممدوح في القرآن الكريم والحديث الشريف ..

أمّا في القرآن ال كريم فقد قال تعالى في صفات عبد الرحمن : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) (١).

فالإسراف هو : التجاوز عن الحدّ كالإنفاق في المعصية ، وصرف المال في غير حقّه.

والإقتار هو : البُخل عن الإنفاق في محلّه.

والقوام هو : العدل في الإنفاق ، وهو الإنفاق فيما أمرَ الله به وأثاب عليه ، والمطلوب المرغوب فيه هو هذا القسم الأخير من الإنفاق ، وهو الذي يوصف بكونه بِرّاً وخيراً ومعروفاً ، وهو الذي يعقّب خير الدُّنيا والآخرة ، بل يكسب الجنّة والنعيم الدائم.

كالإنفاق في بناء المساجد الشريفة ، والمراقد المشرّفة ، والمدارس الدينيّة ، والحسينيّات المباركة ، والمستشفيات الخيريّة ، وإعانة المحتاجين ، وتزويج عزّاب المؤمنين ، وطبع ونشر كتب الدِّين ، وتأسيس وخدمة مجالس المعصومين عليهم السلام ، ونحو ذلك من الاُمور الخيريّة ، والأعمال القُربيّة.

وأمّا في الحديث الشريف ، ففي صحيحة المفضّل الجعفي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : (إذا أردت أن تعلم أشقيٌّ الرجل أم سعيد؟ فانطر إلى سَيْبِهِ ـ أي عطاءه ـ ومعروفه إلى من يصنعه.

__________________

(١) سورة الفرقان : الآية ٦٧.

فإن كان يصنعه إلى من هو أهله فاعلم أنّه إلى خير.

وإن كان يصنعه إلى غير أهله فاعلم أنّه ليس له عند الله خير) (١).

وعليه ، فالإحسان الحَسَن ، والإفضال المستحسن هو أن يكون إحساناً إلى من له أهليّة الإحسان ، أو من يصير أهلاً بالإنفاق عليه كالمؤلّفة قلوبهم الذين ذُكروا في آية الزكاة الشريفة : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ...) (٢).

وهو قومٌ وحّدوا الله ، وخلعوا عبادة الأصنام ، ولم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان رسول الله يتألّفهم ويعرّفهم لكي ما يعرفوا ويعلّمهم كما في حديث الإمام الباقر عليه السلام (٣).

والقُدوة المُثلى في الإفضال إلى المستحقّ ، والإحسان إلى الأهل هم أهل البيت الطاهرين عليهم السلام.

فإنّهم كانو في أعلى درجات التوفيق الإلهي في إنفاقاتهم وخيراتهم وصدقاتهم حيث كانت في المستحقّين، والذين لهم أهليّة إحسان المحسنين ، أو يصيرون أهلاً صالحين ، كما تلاحظه بوضوح في باب إنفاقاتهم سلام الله عليهم أجمعين ، وقد تقدّم شيءٌ منها في فقرة : (وإيثار التفضّل) فراجع.

وحتى صفة الجود والسخاء التي هي من الصفات المثلى بحيث روي أنّه : (شابٌّ سخيٌّ مرهِقٌ في الذنوب أحبّ إلى الله من شيخٍ عابدٍ بخيل) (٤).

__________________

(١)

(٢) سورة التوبة : الآية ٦٠.

(٣)

(٤) الوسائل / ج ١٢ / ص ٥٤٦ / ح ٧.

حتّى هذه الصفة يلزم فيها أن تكون سخاءً في موضعه وفي المورد الحقّ.

ففي حديث الإمام الصادق عليه السلام : (السخيّ الكريم : الذي يُنفق ماله في حقّ) (١).

وعليه ، فالإحسان حتّى السخاء يلزم فيه أن يكون إلى أهله ومستحقّه حتّى ينتج النتيجة الحسنة ، والثواب الأكمل في الآخرة.

أمّا إذا كان إلى غير الأهل وغير المستحقّ فإنّه ينتج النتيجة السيّئة كما قال الشاعر :

ومَن يصنَع المعروفَ في غير أهله

يُلاقي الذي لاقى مُجير اُمّ عامرِ (٢)

فالإفضال والإحسان سواء أكان إحساناً ماليّاً أم عمليّاً يلزم أن يكون إلى من هو أهله ، لأنّه من إيصال الحقّ إلى مستحقّه.

وهي صفة مُثلى ، يُحمد الإنسان عليها ، وتزكو النفس بها.

والمرتبة العُليا من هذه الصفة أن يتنازل الإنسان عن حقّه ويسلّمه إفضالاً إلى من هو أحقّ به.

وهذه المرتبة تحتاج إلى جهاد النفس وعلوّ الروح ، كما تلاحظه في قضيّة المرحوم السيّد حسين الكوه كمري ، الذي كان من أعاظم العلماء والمدرّسين في النجف الأشرف ، ومع ذلك تنازل عن حقّه للشيخ الأنصاري قدس سره في ما ينقل في أحوالهما جاء فيها :

أنّه ذات يوم كان السيّد الكوه كمري عائداً من مكان ، ولم يكن قد بقي إلى

__________________

(١) معاني الأخبار / ص ٢٤٣.

(٢) اُمّ عامر : كنية الضبع ، الاُنثى ، والذكر منه أبو عامر.

وقد أكلت الشخص الذي أجارها من برد الشتاء في خيمته ، فضُرب مثلاً في الذي يُجرى على إحسانه إلى غير محلّه بالسوء.

والضبع معروف بشهوته للحوم بني آدم ، حتّى أنّه ينبش القبور ليأكل لحم الإنسان ، وإذا رأى إنساناً اغتنم الفرصة ليجده نائماً ، فيهجم عليه ليأكل لحمه.

حين درسه الخارج أكثر من نصف ساعة ..

فرأى أنّ الوقت لا يتّسع للذهاب إلى البيت .. ولذا فضّل أن يجلس في المسجد بانتظار موعد الدرس.

دخل المسجد ولم يكن قد حضر أحد من طلّابه .. ورأى في زاوية المسجد شيخاً عاديّاً جدّاً ، جالس مع عدّة طلّاب يدرّسهم ، إستمع المرحوم السيّد حسين إلى درسه .. وبمنتهى الغرابة رأى أنّ الشيخ العادي قمّة في التحقيق .. فحمله ذلك على أن يأتي في اليوم التالي مبكِّراً عمداً ويستمع إلى درسه .. جاء واستمع فازداد اقتناعاً بانطباعه الذي كوّنه في اليوم الماضي ..

وتكرّر ذلك لعدّة أيّام .. فحصل للمرحوم السيّد حسين اليقين بأنّ هذا الشيخ أعلم منه ، وأنّه يلزم أن يستفيد من درسه ، وأنّه إذا حضر تلامذته درس هذا الشيخ فيستفيدون أكثر ..

هنا رأى نفسه مخيّراً بين التسليم والعناد ، بين الآخرة والدنيا.

وفي اليوم التالي عندما جاء طلّابه واجتمعوا قال : أيّها الأحبّة .. اُريد اليوم أن أقول لكم شيئاً جديداً : هذا الشيخ الجالس في ذلك الجانب مع عدّة طلّاب أحقّ منّي بالتدريس ، وأنا أستفيد منه ، والآن نذهب كلّنا إلى درسه.

والتحق بحلقة درس الشيخ العادي المستشعف الذي كانت آثار الفقر بادية عليه.

هذا الشيخ الرثّ اللّباس هو الذي عُرف فيما بعد باسم الشيخ مرتضى الأنصاري.

فتلاحظ أنّ هذا الإفضال العملي على المستحقّ كيف أنتج تلك الثروة العلميّة التي ظهرت من الشيخ الأنصاري ، وبقيت إلى الآن دروساً دينيّة في الحوزات العلميّة.

بل إنّ الإفضال على مستحقّه وأهله هو من صنائع المعروف وعمل الخير الذي يدفع مصارع السوء ويُنجي من الموت في نفس هذه الحياة الدُّنيا ، قبل ثواب الآخرة.

كما تجده في قضيّة المرحوم الطبيب المعروف الميرزا خليل الطهراني الذي نقله المحدّث القمّي قدس سره ، وحاصلها : إنّ الميرزا خليل كان طبيباً ماهراً معروفاً منذ شبابه ، وعالج يد امرأةٍ علويّة هنديّة كانت تشكو من الجذام .. المرض العضال ، عالجها مجّاناً وقربةً إلى الله تعالى ـ فكان إفضالاً إلى من يستحقّه ـ.

ثمّ إنّه ابتلي نفسه بمرضٍ صعب بحيث لم يمكنه علاج نفسه ، وقال له الأطبّاء الآخرون إنّه يعيش مع هذا المرض عشرة أيّام فقط.

وفعلاً استمرّ به المرض إلى اليوم العاشر ـ كما قالوا له ـ واشتدّت حالته الصحّية وتدهورت ، حتّى عرض عليه سكرات الموت ، بحث اجتمع عليه أهله ، ووجّهوه إلى القبلة ، وكانوا يبكون عليه.

وفي هذه الأثناء دخلت تلك العلويّة التي عالجها الميرزا خليل وقالت : إنّي توسّلت بجدّي الإمام الحسين عليه السلام لشفاء الميرزا خليل ، وبكيت كثيراً حتّى غلبني النوم ، فرأيت الإمام عليه السلام في المنام ، وطلبت منه شفاءه.

فقال عليه السلام : إنّه قد تمّ عمره ، لكن دعونا الله تعالى له واستجاب الله الدّعاء ، ويعيش عمراً جديداً إن شاء الله تعالى.

وبمجرّد أن تمّ كلام العلويّة جلس الميرزا خليل صاحياً من تلك السكرات ، وفرح الجميع ، وسألوه ما الذي حدث؟!

فقال : إنّي رأيت ملكين جاءا لقبض روحي ، وأحسستُ بانتزاع روحي من رجلي إلى قريب حنجرتي ، لكن دخل شخصٌ الغرفة ، وقال لهذين الملكين : (ردّوه فإنّ الحسين بن عليّ عليهما السلام تشفّع إلى الله تعالى في عُمرٍ ثانٍ له).

فأحسستُ بعودة روحي إليّ ، وحياتي من جديد ، فانصرف الملكان ، فقمت الآن أراكما بهذه الحالة.

وعاش الميرزا خليل بعد هذا ، وعمّر كاملاً ٩٠ سنة ، ورزقه الله تعالى خمسة من الأولاد ، كان ثلاثة منهم من العلماء ، أحدهم المرجع الديني المعروف الميرزا حسين (١).

فالإفضال على المستحقّ بارَم للميرزا خليل بهذا الخير العظيم ، مضافاً إلى ثواب يوم الدِّين.

فينبغي أن ندعو الله تعالى لتوفيق الحصول على هذه الخصلة ، والمكرمة الأخلاقيّة.

__________________

(١) الفوائد الرضويّة / ص ٢٩٣.

المصدر كتاب أخلاق أهل البيت عليهم السلام

 

السيّد علي الحسيني الميلاني

translate this site
chose your language
click trans
  
الوقت الآن
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
استبيان الأعضاء
مارأيك بالشبكة بعد التطوير؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر تواجد للأعضاء
الحكمة 12:38:21
مشرف عام 14 أسابيع
المشرف العام 46 أسابيع
السيد كرار 358 أسابيع
Erronryoscito 457 أسابيع
benaelmo 457 أسابيع
vitrya 457 أسابيع
baenals 457 أسابيع
walcfaus 457 أسابيع
jaggche 457 أسابيع

الزيارات غير المكررة: 13,693,719 وقت التحميل: 0.04 ثانية