40/12/21 (22 أغسطس 2019)
القائمة الرئيسية

 

عدد زوار الشبكة
copy html code
احصائيات الزوار
Flag Counter
شبكة التقوى الاسلاميه

البحث في الموقع

سُكون الرّيح
دروس أخلاقية

سُكون الرّيح

سكونُ الريح : كناية عن الوقار ، والثبات ، وعدم التزلزل.

يُقال : رجلٌ ساكن الريح : أي وقور.

حيث إنّ الريح مقرونة نوعاً بسرعة الحركة وموجبة للعواصف .. فيُقابل السرعة السكون ..

فصار سكون الريح كناية عن سكون الإنسان ورزانته ووقاره في حوادث الدهر ، وتغيّرات الدنيا.

فالرجل الوقور عند الهزاهز ، الثابت قدمه عند الحوادث ، والذي لا تحرّكه العواصف يسمّى : ساكن الركن .. وهو ممدوح.

ومقابله الشيخص الذي يميل مع كلّ ريح ، ويتّبع كلّ ناعق ، ويتلوّن بكلّ لون ، ويكون كالهمج الرعاع يسمّى : متلوّناً ومتزلزلاً .. وهو مذموم.

وقد يعبّر بالريح عن القوّة والشخصيّة ، كما لعلّه المفسّر بها قوله تعالى : (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (١).

__________________

(١) سورة الأنفال : الآية ٤٦.

فيكون سكون الريح على هذا الوجه بمعنى سكون قوّة الشخص ، يعني : شخصيّة الرجل في الثبات وعدم التزلزل.

فيرجع معنى سكون الريح إلى الثبات على طريق الحقّ ، والاستقامة فيه .. وهو ممدوح أيضاً ، بل هو مطلوبٌ شرعاً ، كتاباً وسنّةً.

فالاستقامة على الطريقة الحقّة ، والطاعة الإلهيّة ، والمذهب المقبول ، نطق بها القرآن الكريم والحديث الشريف ، وذلك : ـ

١ ـ القرآن الكريم ، في قوله تعالى : ـ (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)(١).

٢ ـ الحديث الشريف ، وصيّة الإمام الصادق عليه السلام لعبد الله بن جُندب :(يابن جُندب : لو أنّ شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة ، ولأظلّهم الغمام ، ولأشرقوا نهاراً ، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولما سألوا الله شيئاً إلّا أعطاهم ...

ثمّ قال عليه السلام : ـ

يا ابن جُندب : بلّغ معاشر شيعتنا وقُل لهم : لا تذهبنَّ بكم المذاهب ، فوالله لا تُنال ولايتنا إلّا بالورع والاجتهاد في الدُّنيا ، ومواساة الاخوان في الله.

وليس من شيعتنا من يظلم الناس.

يا ابن جُندب : إنّما شيعتنا يُعرفون بخصالٍ شتّى : ـ

بالسخاء والبذل للاخوان ، وبأن يصلّوا الخمسين ليلاً ونهاراً (٢).

شيعتنا لا يهرّون هرير الكلب (٣) ، ولا يطعمون كمع الغراب (٤) ، ولا يجاورون

__________________

(١) سورة الجنّ : الآية ١٦.

(٢) لعلّ الأصل الإحدى وخمسين ، وهي الفرائض اليوميّة ١٧ ركعة ، والنوافل الليليّة والنهاريّة ٣٤ ركعة.

(٣) هرير الكلب : صوته من قلّة صبره على البرد ، وهو غير النباح ، ولعلّه كناية وإشارة إلى إظهار التضجّر والسخط ، وعدم الصبر والتحمّل.

(٤) يُضرب المَثَل بطمع الغراب ، لما ذُكر في حياته من أنّه يتبع الذئب بطمع أنّه إذا أغار على غنم قومٍ أكل ما فضل منه.

لنا عدوّاً ، ولا يسألون لنا مبغضاً ولو ماتوا جوعاً.

شيعتنا لا يأكلون الجرّي (١) ، ولا يمسحون على الخفّين ، ويحافظون على الزوال ، ولا يشربون مسكراً) (٢).

والدّعاء الشريف بسكون الريح سؤالٌ بأن يثبّت الله الإنسان في حياته وقوراً غير متلزل ولا متلوّن.

فإنّ من أهمّ الاُمور الحيانيّة في حياة الإنسان ، ومن مقوّمات شخصيّة الواقعيّة هو أن لا يصير متلوّناً ، فيفقد قيمة الإنسانيّة ، كالذين ذكرهم التاريخ وذكر تلوّنهم في مرّ الزمان وحوادث الأيّام ، وتقلّبات الدهر ، فساءت عاقبتهم ، وفسدت دُنياهم واُخراهم ، ممّن كانوا في قديم الأيّام وحديثه.

خُذ مثالاً لذلك بلعم بن باعوراء الذي قال عنه الله تعالى في القرآن الكريم : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) (٣).

كان من بني إسرائيل ، من قوم النبيّ موسى عليه السلام ، وكان يعرف الاسم الأعظم فيدعو به ، ويُستجاب له.

ولمّا مرّ فرعون بجنوده في طلب النبيّ موسى عليه السلام وأصحابه قال فرعون لبلعهم : ادعُ الله على موسى وأصحابه ليحبسهم علينا حتّى نظفر بهم.

فمالَ بلعم إلى فرعون ، وركب حماره ، متوجّهاً إلى جبلٍ يشرف على بني إسرائيل ، ليقف على ذلك الجبل ، فيدعو عليهم.

فما سار إلّا قليلاً حتّى برك الحمار على الأرض ، فأقبل بلعم يضربه ، فأنطق

__________________

(١) الجرّي : بكسر الجيم وتشديد الرّاء ، هو الحيوان المائي المعروف المحرّم اللّحم ، يدعى بثعبان الماء ، ليس له فلس.

(٢) تحف العقول / ص ٣٠٥.

(٣) سورة الأعراف : الآية ١٧٥.

الله تعالى ذلك الحمار فقال لبلعم : ويلك على ماذا تضربني؟ أتريد أن أجيء معك لتدعو على نبيّ الله وقومٌ مؤمنين!

لكنّه لم يزَل يضربه حتّى قتله ظلماً وكيداً على النبيّ موسى عليه السلام.

فانسلخ الاسم الأعظم منه ، واندلع لسانه كما قال تعالى : ـ (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) (١).

فلمّا رأى بلعم ذلك ونظر إلى حاله احتال على بني إسرائيل ، وأمر قومَ فرعون أن يزيّنوا نسائهم ، ويعطونهنّ السِلَع للبيع ، ويرسلونهنَ إلى بني إسرائيل ليغترّوا بهنّ ، ويميلوا إليهنّ.

وأمر أن لا تمنع امرأة نفسها ممّن يريدها ، بل تمكّن نفسها مه ، ليقعوا في الزنا ، يكون مصيرهم الخذلان.

ففعلوا ذلك ، فنزل عليهم الطاعون ، وهلك منهم طائفةٌ كثيرة (٢).

وتلاحظ أنّه كانت عاقبة بلعم بعد ذلك المقام الرفيع إلى هوّة الحضيض بواسطة عدم ثباته ، وعدم سكون الريحي فيه ..

حيث إنّه بعد كونه عبداً مقرّباً إلى الله تعالى ، صار تابعاً رذيلاً لعدوّ الله فرعون ، ومعارضاً لنبيّ الله موسى عليه السلام .. وهذا تلوّن.

وانقلب بلعم بعد أن كان عبداً صالحاً عفيفاً إلى كونه داعيةً للزنا وإفشاءه في الناس ، وإلقاء قوم موسى في هذا الأمر القبيح ، وهذا تزلزلٌ وتلوّن من بلعم.

(ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

ومن أمثله التلوّن والتزلزل وعدم سكون الريح شبث بن ربعي الذي كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين ، ثمّ انحرف عنه وصار مع النهروانيّين ،

__________________

(١) سورة الأعراف : الآية ١٧٦.

(٢) لاحظ بحار الأنوار / ج ١٣ / ص ٣٧٣.

وبايع الضبّ ثمّ تاب ، ثمّ رجع إلى ظلمه وحضرَ قتل الإمام الحسين عليه السلام.

وهذا الشخص متلوّن لا ثبات فيه ، بل فاسقٌ لا مبدأ له.

وقد اعترف بتلونّه حتّى علماء العامّة عند ترجمة حاله.

قال عنه محمّد بن بحر الشيباني : ـ (شبث بن ربعي تابع كلّ ناعق ، ومثير كلّ فتنة) (١).

وقال عنه ابن حجر : ـ (كان شبث مؤذِّن سجاح (٢) ، ثمّ أسلم ، ثمّ كان ممّن أعان على قتل عثمان ، ثمّ صحب عليّاً عليه السلام ، ثمّ صار من الخوارج ،  ثمّ تاب ، ثمّ حضر قتل الحسين عليه السلام ، ثمّ كان ممّن طلب بدم الحسين عليه السلام مع المختار! ثمّ ولّي شرطة الكوفة ، ثمّ حضر قتل المختار ، ومات في الكوفة في حدود الثمانين) (٣).

ومن أمثلة التلوّن أبو هريرة الدوسي الذي صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان بمرأى ومسمع منه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في حقّ عليّ عليه السلام وإمامته ووصايته ومقامه وفضله.

وهو الراوي لحديث إمامة الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام بأبلغ متونه ، وهو قوله صلوات الله عليه وآله : ـ

(الأئمّة بعدي اثنى عشر ، أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي ، وأنّهم لم يزالوا ما دام هذا الدِّين باقياً.

والذي نفس محمّد بيده لو أنّ رجلاً عبدَ الله ألف عام ، ثمّ ألف عام ما بين الركن والمقام ، ثمّ أتاني جاحداً لولايتهم لأكبّه الله في النار ، كائناً من كان) (٤).

__________________

(١) سفينة البحار / ج ٤ / ص ٣٦٨.

(٢) سجاح : امرأة من بني تميم ، ادّعت النبوّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وتزوّجت بمسيلمة الكذّاب.

(٣) سفينة البحار / ج ٤ / ص ٣٦٨.

(٤) روي الحديث الشريف بأسانيد عديدة من طرق الخاصّة والعامّة ، تلاحظها في إحقاق الحقّ / ج ١٣ / ص ١ إلى ص ٤٨ ، وغاية المرام / ص ٦٩١ / إلى ص ٧١٠.

وقد شهد يوم الغدير وسمع النصّ الجليّ في أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، ثمّ قوله صلى الله عليه وآله : ـ (اللّهُمَّ والِ مَن والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصُر مَن نصرَه ، واخذُل مَن خذلَه) (١).

وبالرغم من ذلك نكصَ على عقبه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنكر فضل أمير المؤمنين عليه السلام ، وانضمّ إلى معاوية ، وصار من الذين جعل لهم معاوية أموالاً ليضعوا الحديث في الطعن على عليّ عليه السلام ، كما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي (٢).

وصار بعد تلك الصحبة النبويّة ، بدل أن يتعلّم عبادة الرسول صلى الله عليه وآله صار ممّن يلعب بالشطرنج ويقامر بالسُدّر ، كما ذكره الجزري (٣).

وبد أن يتعلّم الأمانة من الرسول الأمين صار ممّن اختلس أموال المسلمين في البحرين ، كما ذكره الزمخشري (٤). بل خان في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، حتّى صرّح نفس علماء العامّة بكذبه وتزويره ؛ فقد أخرج الذهبي عن يزيد بن إبراهيم أنّه سمع شعبة بن الحجّاج يقول : ـ كان أبو هريرة مدلِّساً (٥).

ونقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي أنّه قال : ـ كان أبو هريرة مدخولاً عند شيوخنا ، غير مرضيّ الرواية (٦).

وحضر صفّين مع معاوية ، فصار يأكل مع معاوية ويصلّي خلف أمير المؤمنين عليه السلام ، فسُئِلَ عن ذلك ، فقال : الصلاة خلف عليّ أتمّ ، واللّقمة مع معاوية أدسم ، والوقوف على الجبل أسلم.

__________________

(١) لاحظ : مجموعة الأسانيد الفائقة على التواتر من طريق الفريقين في كشف المهمّ للسيّد البحراني قدس سره.

(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد / ج ٤ / ص ٦٣.

(٣) النهاية لابن الأثير الجزري / ج ٢ / ص ٣٥٤ ، ثمّ قال : والسُدَّرْ لعبة يُقامر بها ، وهي فارسيّة معرّبة.

(٤) الفائق للزمخشري / حرف الهاء / مادّة هَرَرَ.

(٥) سير أعلام النبلاء / ج ٢ / ص ٤٣٨.

(٦) شرح نهج البلاغة / ج ٤ / ص ٦٧.

هذا هو التلوّن والتزلزل ، وعدم سكون الريح.

تلوّنٌ فظيع يجرّ إلى الكفر والارتداد ، لأنّه إنكارٌ للحقّ بعد معرفته ، وبغيٌ على الإمام بعد معرفة لزوم مودّته.

وقد رُوي أنّه سأله الأصبغ بن بناتة في محضر معاوية فقال له : ـ

يا صاحب رسول الله ، إنّي احلفك بالله الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة ، وبحقّ حبيبه محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله إلّا أخبرتني :

أشهدتَ غديرَ خمّ؟

قال أبو هريرة : بلى شهدته.

فقال الأصبغ : فما سمعته يقول في عليّ عليه السلام؟

قال أبو هريرة : سمعته يقول : مَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه ، وانصُر مِن نصره ، واخذُل من خذله.

فقال له الأصبغ : فأنت إذاً واليت عدوّه ، وعاديت وليّه.

فتنفّس أبو هريرة الصعداء ، وقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون (١).

ومن عجيب التلوّن والتزلزل وعدم الثبات تزلزل الزبير بن العوّام ابن عمّة النبيّ صلى الله عليه وآله وابن عمّة أمير المؤمنين عليه السلام ، لذي هو عبرة لمن اعتبر ودرسٌ لمن تدبّر.

حيث إنّه بعد سابقة إيمانه ، وخدمته ، وولائه لعليّ عليه السلام ، أصبح محارباً له وباغياً عليه ، ومؤجّجاً لفتنة الجمل والعمل الأرذل (٢).

فالصحيح الحقّ ، والخُلق الأليق ، أن يكون إيمان المرء ثابتاً مستقرّاً ، ويكون في حياته ساكناً ، غير متزلزل.

__________________

(١) لاحظ السفينة / ج ٨ / ص ٦٧٢ ، وتلاحظ لمزيد معرفة حاله ووضاعته كتب الرجال.

(٢) راجع سفينة البحار / ج ٣ / ص ٤٤٤.

chose your language
click trans
  
الوقت الآن
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
استبيان الأعضاء
مارأيك بالشبكة بعد التطوير؟







يجب تسجيل الدخول للتصويت.
آخر تواجد للأعضاء
مشرف عام 06:29:40
الحكمة 1 يوم
المشرف العام 30 أسابيع
السيد كرار 342 أسابيع
Erronryoscito 441 أسابيع
benaelmo 441 أسابيع
vitrya 441 أسابيع
baenals 442 أسابيع
walcfaus 442 أسابيع
jaggche 442 أسابيع

الزيارات غير المكررة: 13,612,044 وقت التحميل: 0.04 ثانية